Image default
مساحة موسيقى

حوار مع الملحن ياسر عُمر

العود آلة شرقية عرفت في الممالك القديمة، وهو من أهم الآلات في التخت العربي الشرقي، يستخدم في العزف الانفرادي أو الجماعي، ويعتمد عليه معظم الملحنين العرب.

في قصة العود اختراعه أقوال كثيرة اختلف فيها المؤرخون، فمنهم من قال إن أول من اخترعه هو “لامك” في عهد “آدم عليه السلام”، وقيل إنه “نوح عليه السلام”، وقيل “جمشيد”، وهو ملك من ملوك الفرس وأسماه (البربط)، وقيل إنه اختُرع في عهد داوود عليه السلام.

واتفق بعض الكتاب من العرب والفرس، ممن كتبوا عن الموسيقى وتحدثوا عن العود، أن العود جاءهم من اليونان، فبعضهم يرى أن “فيثاغورث” نفسه هو من اخترعه بعد أن اكتشف توافق الأصوات الموسيقية، والبعض الآخر يعزو هذا الاختراع إلى “أفلاطون”، ويزعمون أنه كان ينوّم سامعيه إذا عزف من مقام معين، ثم يغيره فيوقظهم! وعن تطور صناعة أوتار العود، فيعرف أنها كانت تصنع بداية اكتشافه من خيوط الأمعاء، وقد استبدلت اليوم بالنايلون.

والثابت تاريخياً أن العود من الآلات الوترية التي عرفتها الممالك القديمة، وكانت الأشهر في الحضارة العربية، واحتل عازفوها مكانة مرموقة ومنزلة لدى حكامها، وقد ازدهرت في القرون الوسطى في أوروبا، وخاصة في عصر النهضة، حيث بلغت هذه الآلة ذروة تطورها.

أما ما يهمنا من هذه الآلة وعنها فهو “ياسر عمر”، ذلك العازف القدير والملحن الذي يرتقي بعزفه ذي الطابع الكلاسيكي البديع، والذي يحاكي به الأشعار التي يختارها بعناية بعد أن تستفزّ الموسيقى التي تسكن فيه لتنبثق. إنه ابن المخيم الذي لا يزال يحلم بالعودة، وابن الحزن الذي لا يزال ينشد الفرح ويغني له، اسمه مرتبط بأغنيات جميلة يعرفها الشارع الفلسطيني جيداً، كما أنه ارتبط باسم محمد عساف قبل وبعد نجاحه في برنامج المسابقات الشهير.

اتجهت إلى أستاذ اللغة العربية وسيد العود لأجري معه حواراً يدلنا على بعض علامات الطريق التي سار عليها ليكون ما هو عليه الآن، ولنتلمَّس بعض الأمل في قصة نجاحه.

 

“ياسر عمر”، ابن أي المدارس الموسيقية أنت؟

تتنوع المدارس الموسيقية العربية أو الشرقية أو العالمية بشكل عام. أستطيع أن أقول إنني تأثرت بكل هذه المدارس، فأنا ابنها جميعاً، ولا أجدني ابن مدرسة بعينها، ذلك أن الفنان، أو حتى الشاعر، تجده في بداية حياته الفنية ينتمي إلى مدرسة تشده منذ صغره، ولكنه لا يلبث أن تتسع مداركه وينضج عقله الفني، فيذهب بعيداً مبحراً إلى مختلف شواطئ الفن العالمية ولا يعود. إن الملحن الناجح، في رأيي، لا ينبغي أن يكون نسخة عن مدرسة ما، فتغدو ألحانه عبارة عن نسخ مكررة لمدرسة مفردة.

ياسر الطفل الذي كان يوماً، ماذا تحمل ذاكرتك البعيدة؟ حدثني عن المحطة الأهم التي تعتقد أنها تركت أثراً فيك، أو الشخص الأهم الذي مرَّ فيها؟

مرحلة الطفولة كانت عادية، كنت طفلاً يعيش في مخيم، لكنني كنت أعشق الموسيقى وأستمع إلى عبد الوهاب وعمري سبع سنوات، وأحاول العزف على آلة موسيقية، إلى أن استطعت وأنا في الصف السادس العزف على العود. في السنة الأولى من دراستي الجامعية تعرفت على الشاعر خالد جمعة، خالد محطة مهمة في حياتي، ومعه بدأت التلحين.

 

كيف اكتشفت شغفك بالموسيقى؟ من دربك على العزف؟ وما هي أولى محاولاتك الناجحة، ومتى؟

حقيقة لا أعلم متى اكتشفت شغفي، هذه الأشياء لا نشعر بها. ليس ثمة لحظة يتوقف عندها الإنسان كي يشعر أن لديه شغف بأمر ما، اللحظة التي من الممكن التوقف عندها هي مرحلة الخَلق والإبداع.

أخي الأكبر كان عازفاً تعلمت على يديه، ثم أكملت مسيري بمفردي بعد أن كسّر العود وصار شيخاً. كنت طفلاً وقتها، تحصلت على عود بمعجزة وواصلت.

أين يقف ياسر عمر بالضبط بين مفترق الموسيقى والتدريس؟ وأي الكفتين ترجح: عالم المدرسة أم عالم الموسيقى؟

أنا رجل تربوي وموسيقي، لا أحسن صناعة شيء غيرهما سوى بعض الأكلات المحببة عندي. هذان العالمان أعشقهما ولا أراني أرجح كفة أحدهما على الآخر، وإن كان الوقت الذي أعيشه مع الموسيقى أكبر من وقتي في المدرسة.

ماذا تضيف لك شجرة الأرواح التي تكبر كل عام بوجوه التلاميذ الجدد؟ وهل ترى أنها تثريك أم تستنزفك؟

لا شيء يستنزفني أكثر من الهم الأسود الذي يمعن إذلالاً وقهراً لشعب ما عرف يوماً ولا ذاق إلا آلام الطرد والمنفى الأبدي، وهي هجرة ثم هجرة ثم قهر مذاب بعصارة ألم ملعونة تُصب قسراً في فم هذا الشعب المذبوح بسكين التشتت والحصار، هذا الذي يستنزفني.

أما وجوه الطلاب فهي إشراقة شمس، وبعث جديد وسط هذا الظلام المستوطن فينا. أنا أتعلم منهم كل شيء، أتعلم منهم معنى الحياة، كما أنني، عندما أراهم في الشوارع مع أشعة الشمس الصباحية الآتية من البعيد والمنعكسة على صفاء وجلال براءتهم، أستوحي من هذا المشهد بعض الموسيقى.

كيف يبدو الصوت الذي تراه مكملاً لألحانك؟ هل وجدت على طول مسيرتك أصواتاً ترضيك؟ وعلى مستوى الشعر، هل كان هناك دوماً ما يستفزّ موسيقاك لتنبثق؟

الصوت الذي أعشقه هو الصوت الصادق والحنجرة المثقفة، وأقصد بالصوت الصادق: الصوت الذي تشعر معه بأن صاحبه لا يمثل أو يتصنع أو يتكلف، إذ ليس مع التصنع تمتّع ولا مع التكلف تظرّف. وأعني بالحنجرة المثقفة الحنجرة ذات الوعي، والوعي معنى شامل وإحاطة تامة بكل جوانب اللغة والحياة والقضية. وقد وجدت بعض الأصوات تنسحب عليها التأملات السابقة، أذكر منها عبير صنصور ومحمد عساف.

أما في الشعر، فأنا باحث عن الجمال، وأينما وجدت هذا الجمال وقعت عليه بصرف النظر عن صاحبه، أو إلى أي مدرسة في الشعر ينتمي.

 

رحلتك مع محمد عساف، أشهر صوت فلسطيني في هذا العصر، كيف تصفها؟ وهل يسير محمد على الطريق المأمول حسب تطلعاتك؟

بلا شك أن عساف يُشعرنا جميعاً بالنجاح، وهذا النجاح يجعلنا نواصل المسير بفرح وحبور. أما سيره على الطريق المأمول فهو في معرفته وإيمانه بقدراته العجيبة في الغناء، فعساف يمتلك صوتاً لا يمتلكه مطرب عربي الآن، عساف يختلف عنهم جميعاً، ليس مثلهم وليس منهم . أنا أعي ما أقول، وإذا آمن محمد بذلك سار على الطريق الصحيح الذي أتمناه له.

إلى أيّ درجة يمكن أن تكون عائلتك سبباً وراء إبداعك؟

إلى درجة كبيرة. أبي وأمي، أطال الله بقاءهما، إلى اليوم يحبان ما أفعل، وأما زوجتي فإنها تهيئ لي دائماً بيئة مناسبة للعمل، مع علمي أنها تحتمل حماقات شتى تصدر عني بخصوص التلحين والموسيقى، لكن بالها طويل جداً. ابني حسن مشكاة الأمل التي ينفد منها النور إلى قلبي وروحي.

كيف يمكن أن تصبح الأمور أفضل بالنسبة لعطائك الموسيقي؟ وهل تشعر بالرضا تجاه الحالة الموسيقية في فلسطين؟

في فلسطين صار لنا مكان على خارطة الغناء العربي، في حين لم يكن أحد يشعر بنا سابقاً، باستثناء فيما يخص أغاني الثورة الفلسطينية التي تغنى بها جيل السبعينيات في بلاد الشام نظراً لارتباطهم بالقضية الفلسطينية.

أما عن حالة الرضا فهي مشكلتي في هذه الحياة، إنني لم ولن أصل إلى حالة الرضا بالمطلق، ليس أنفةً أو جنوحاً نحو الغرور المضحك، وليس مغالطة للنفس وزهداً، بل لأنني أشعر دائماً أن الأمور مهما اكَتملت فإنها ليست على ما يرام.

هل تشعر بأثرك الجميل على الناس؟ وماذا يضيف لك ذلك التقدير؟

أقدّر دور الجماهير في الوقوف بجانب الفنان، لكن أنا شخصياً لا أعوّل على هذا التأثير ولا أنتظره ولا أسعى للحصول عليه، كل ما يهمني هو رضا ياسر عن ياسر، هذا الأهم عندي، فإن رضيت عن ذاتي واصلت طريقي. دوري في هذه الحياة هو إضافة لبنة إلى هذا البناء العظيم، ولا ألتفت كثيراً إلى رضى الآخرين، ليس تقليلاً أو انتقاصاً من عظمة الجماهير وقدراتها الهائلة، ولكنه حساب للنفس وإيمان بها، فحسابي لنفسي أصعب، وميزاني لها أدق، وإن كانت محاسبة النفس عسيرة، لكنها واجبة حتى لا يتكرر الخطأ ويطول الجهل.

هل لديك طموحات على مستوى الشهرة خارج حدود فلسطين؟ وهل تجد تحقيق ذلك سهلاً في ظروف غزة الحالية حيث تعيش؟

أنا ملحن، والملحن أو الشاعر لا تحده الجغرافيا، قد يحتاجها المطرب أكثر مني، فأنا أعمل من بيتي، وفي هذا الفضاء الشاسع من التواصل نحتاج فقط إلى من يحمل أشعارنا وموسيقانا إلى العالم، وقد وجدناه.

حدثني عن أهم أحلامك، هل تحقق منها شيء؟ وهل هناك أمل للحالمين كما تخبرنا قصة نجاحك؟

حلمي الكبير هو تحرير الأرض والإنسان في وطني وفي العالم كله، أما أحلامي الفنية فقد تحقق بعضها فحسب، وما زلت أغذّ الخطى صعوداً إلى النهاية، إن كانت هناك نهاية ما للحلم! أقول إن أحلام الفنان لا نهاية لها، وهو يواصل مسيره ما بقي على قيد الحياة.

وإلى كل الحالمين أقول: واصلوا مسيركم وراكموا أعمالكم، ليس عليكم إدراك النجاح، ولكن عليكم السعي نحوه.

الرابر الفلسطينيّ تامر النفّار: «الدمج بين الحب والوطن… كل ما بصير الإشي شخصي، بتيجي السياسة لحالها»

رشا حلوة

نافذة على عالم الكاتب والمخرج المسرحي عبد الفتاح شحادة

هند جودة

الغناء تنهديتنا في هذه الحرب

ليالي درويش
جارٍ التحميل