Image default
المثقفون يتبعهم سلايدر

سؤال المُثقّف الفلسطيني: الرابط «العضوي» بين المُجتمع والسياسة

مُعالجة السؤال

غالبًا ما يُمثّل سؤالا «من هو المُثقّف؟» و«ما هو دور المُثقّف؟» في المُجتمعات المُعاصرة طريقةً لمُعالجةِ أسئلة وقضايا أكثر اتّساعًا. في الحالة الفلسطينية، ارتبط معنى هذه السؤالات خلال القرن الماضي ارتباطًا وثيقًا بالرغبة الجماعية الفلسطينية بالحُرّية والعدالة والسعيّ وراءهما. فقد طُرِدَ السُكّان الفلسطينيون الأصليون من أراضيهم بين عاميّ 1947 و1948، ثُمّ إلى خارج وطنهم، فسكن بعضهم في مُخيّماتٍ لللّاجئين، وبعضهم في المنفى حول العالم، وآخرون تحت احتلال واستعمار مُباشر على أراضيهم. وانعكست حالة الشتات هذه بطُرُقٍ مُختلفة على وظيفة ودور المُثقّف ودور المعرفة بشكلٍ عام.

وبينما حُرِمَ الفلسطينيون من الصلة مع أرضهم الّتي زرعوها وأماكنهم الّتي سكنوها، فإنّهم دأبوا الحفاظ على ارتباطهم بالوطن وذكرياتهم عنه في الفضاءات المادّية والثقافية والرمزية منذُ النكبة. وسُرعان ما أصبحت إعادة بناء المعرفة الصحيحة حول أرضهم وتاريخها وجُغرافيّتها وسيلةً حاسمةً لمُقاومة الاستئصال والمُحاولات الاستيطانية الاستعمارية الصهيونية لإتمام «إبادة الذاكرة» والتدمير المادّي للوجود والكيان الفلسطينيين. وبوسعنا ربط الأهمية والدور المنسوبين إلى شخوص المؤرّخ والمُثقّف والشاعر في الحالة الفلسطينية بميولٍ كانت شائعةً في المنطقة العربية الأوسع خلال القرن العشرين، وفي سياقاتٍ مُختلفةٍ ناضلت من أجلِ إنهاء الاستعمار ثُمّ بناء دول ما بعد الاستعمار. في الوقتِ نفسه، جاءت فكرة وهدف الحصول على تعليمٍ جيّد لتحمل معانٍ ونتائج ملموسة وجوهرية إلى حدٍّ بعيد في حياة الفلسطينيين، حيث تفاعلت مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والسياقات الّتي عاشوا فيها.

وبالتالي، يُعالج الفلسطينيون سؤال المُثقّف في خضمّ تفاعُلهم مع الظروف المُتبانية الّتي يمرّون بها في حيواتهم وسياقاتهم اليومية من ناحية، كما يُعالجونه من خلال ربطه بالديناميّات الجارية على المُستوى الإقليمي – وأحيانًا حتّى على المُستوى العالمي – من ناحية أُخرى. وبينما يسألون «من هو المُثقّف؟» ويستفهمون دوره، يواجه الفلسطينيون الّذين يعيشون داخل فلسطين أو خارجها تبعات الديناميّات السياسية السائدة في المنطقة وفي العلاقات الدولية، مع الظروف الّتي فرضها الاقتصاد والهياكل المالية في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلى الابتكارات التكنولوجية، وهلمّ جرًّا. كلّ هذه الأبعاد تُصوِّر العالمَ الّذي يُفكّرون ويتحاورون داخله، وهو كذلك العالم نفسه الّذي يُفكّر المُثقّف الفلسطيني ويتحاور داخله.

بذلك، فالفلسطينيون – مثل غيرهم في منطقة الشرق الأوسط – ليسوا استثناءً، كما تعتقدُ بعض الدراسات الاستشراقية حول المنطقة. على العكس من ذلك، فإنّ حقيقة أنّهم بشرٌ يعيشون في زمانهم ومكانهم هي ما تجعلهم ومُجتمعاتهم يُغيّرون ويضعون تعريفاتٍ دقيقة لِما يهدفون إليه وما يُريدون تحقيقه، وكيف يُريدون الوصول إلى حُرّيتهم وتطلُّعاتهم. في هذا الإطار بالتحديد، نبحثُ سؤال المُثقّف الفلسطيني.

المُثقّف الفلسطيني في عالمه

بدلًا من الاكتفاء بمُحاولة تعريف المُثقّف، رُبّما علينا أن نسأل: كيف يُمكننا فهم مهمّة المُثقّفين الفلسطينيين ضمن ما عايشوه وعَكسوه من تجارب وذاتيّات وما يتّصل بها؟ إنّه نوع من الاهتمام الّذي تبنّاه العديد من المُفكّرين النقديين في تحليلاتهم لهذا الموضوع في أزمنة وأماكن مُختلفة. ويُمكن أن يُلهم عمل المُفكّر والمُناضل الإيطالي السرديني أنطونيو غرامشي (1891-1937) سؤالاتنا ونظراتنا حول الحالة الفلسطينية.

ركّز غرامشي على تحليل العلاقة بين تطوُّر الأفكار والثقافات، والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، عندما طوّر فهمًا أصيلًا للماركسية. وضمن التفاعُل المُتبادَل والمُستمر بين هذه المجالات، مثّل المُثقّفون «رابطًا» حاسمًا من خلال اشتغالهم على مُستويات المُجتمع المدني والمُجتمع السياسي (الدولة). تمكّن غرامشي أثناء بحثه في هذه المساحات من تحديد «نشاط/ مهمّة المُثقّف» من خلال مؤلفات وأنشطة المثقف المُختلفة الذي عرّفهُ بـ «المُثقف العضوي»، وهو الذي يُطوّر الأفكار والمعرفة والمفاهيم الّتي يُمثّل من خلالها مواقفهه الاجتماعية والسياسية والطبقية في المُجتمع.

قد تكون قراءة غرامشي مُلهمة ومثيرة للاهتمام في تحليلنا للمُثقّفين الفلسطينيين، حيث نُحاول فهم كيف تمكّنت (أو لم تتمكّن) الخطابات والفضاءات المُتنوّعة من التطوُّر والتفاعُل مع الديناميّات على المُستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وبهذا المعنى، يُمكن قراءة عمل المُثقّفين الفلسطينيين على أنّه «عضوي» في زمانهم وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية الّتي عاشوا ولا زالوا يعيشونها اليوم. إنّ امتلاكنا لهذه العدسة يعني تمكُّننا من قراءة المُثقّفين الفلسطينيين (جماعيًّا وفرديًّا) في تفاعُلهم مع تطوُّر المساعي الفلسطينية في سبيلِ التحرير والتعبئة والنضالات السياسية، وما يتعلّق كذلك بالمشاريع والقرارات الّتي تتبنّاها الطبقات والجماعات السياسية المُهيمنة.

المُثقّفون الفلسطينيون عبر الزمان والمكان

يُمكن مُلاحظة هذا الربط في المظاهر الفردية والجماعية للعمل الثقافي الّتي مورِسَت طوال القرن الماضي في مُختلف الفضاءات الفلسطينية (مُخيمات اللّاجئين، مُختلف الأراضي الفلسطينية، والمنفى). وعندما انتظمَ الفلسطينيون سياسيَّا وشكّلوا أحزابًا سياسية مُتنوّعة ومنظّمة التحرير الفلسطينية في الستينيات، باتوا قادرين على التعبير عن مظالمهم وتطلُّعاتهم والكشف عن المُحاولة الصهيونية لإسكات أصواتهم بشكلٍ كُلّي. وهكذا، استطاعت مُكوّنات المُجتمع المدني الفلسطيني، مثل النقابات والجمعيات والصُحُف والمُنظّمات الشعبية والجماعات الثقافية والاجتماعية، أن تبني خطاباتٍ جماعية حول الانتماء الفلسطيني إلى الأرض في مساحاتٍ مُختلفة وأشكال مُتنوّعة. من هذا المُنطلق، عملوا كـ «مُثقّفين عضويين» لمشروع التحرير الجماعي الّذي سعت إليه الأحزاب المُختلفة ومُنظّمة التحرير الفلسطينية في إطارها الأوسع سياسيًّا وفعليًّا. ومن خلال ربط التجارب المعيشية اليومية للفلسطينيين بالقضية السياسية الجماعية، تمكّنت هذه المُكوّنات من دعم المُقاومة الجماعية والصمود بشكلٍ كبير.

إضافةً إلى ذلك، عبّر كلّ مُثقّف بذاته، مثل غسان كفاني (1936-1972) وإدوارد سعيد (1935-2003) وإبراهيم أبو لغد (1929-2001) ومحمود درويش (1941-2008) وتوفيق زيّاد (1929-1994) وغيرهم كثيرون، عن عمل ثقافي ومعرفي مُتجذّر بعُمق في مواقفهم الفردية والسياسية، وفي التجربة الفلسطينية الجماعية كذلك.

مع تراجُع الاستراتيجية السياسية لمُنظّمة التحرير الفلسطينية خلال الثمانينيات، وصولًا إلى اتّفاقية أوسلو (1993) وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، تغيّرت فضاءات تطوير المعرفة والخطابات والاستراتيجيات في المُجتمع المدني الفلسطيني. وعملت اتّفاقيات أوسلو بإنشائها للتبعية الاقتصادية الفلسطينية واستغلال إسرائيل للعمالة الفلسطينية، وتأسيسها نظامًا سياسيًّا واقتصاديًّا ليبراليًّا جديدًا في الأراضي الفلسطينية، على إعادة صياغة مساحات وأساليب العمل والخطاب في المُجتمع المدني، وعمل المُثقّفين فيه كذلك.

ومع اضطرار مكوّنات المُجتمع المدني التكيُّف مع أوضاع التمويل الجديدة من قِبَلِ المانحين الدوليين، وبينما واجهوا عملية فرض نهج المنظمات غير الحكومية  NGO–ization، الّتي كانت تتوسّع وتنتشر في جميع أنحاء الجنوب العالمي، فقد تصرّفوا بشكلٍ عضوي في النظام الاقتصادي والسياسي الجديد، كما شهدوا تفكُّكًا جُغرافيًّا ومكانيًّا أكبر، وصراعًا بين الفصائل السياسية الفلسطينية. لقد أثّرت هذه الحالة من التجزئة والانقسام البنيوي عميقًا على المُمارسات والخطابات الّتي تطوّرت في المُجتمع الفلسطيني منذُ التسعينيات فصاعدًا. ويُمكن ملاحظة هذه النتيجة أيضًا في شخصيات بعض المُثقّفين المذكورين آنفًا، والّذين كانوا ناشطين سياسيًّا وانسحبوا وخرجوا من مُنظّمة التحرير الفلسطينية لاختلافهم مع استراتيجية اتّفاقية أوسلو.

لقد كَسَرَتْ رزمة الديناميّات هذه ببُطء الرابطَ «العضوي» بين المُثقّفين الفلسطينيين الّذين عملوا كمُثقّفين «عضويين» في مساعي التحرّر الجماعي (والّذين عبّروا عن خطابات المُقاومة)، والقيادة السياسية الفلسطينية الّتي تُعاني من شرعية مُنزوعة على نطاقٍ واسعٍ من قِبَل المُجتمع الفلسطيني والشباب على وجه الخصوص.

يُمكن القول إنّ مُعالجة سؤال المُثقّف الفلسطيني هو موضوع سياسي. من المؤكّد أنّ الظروف الّتي يعيشها الفلسطينيون اليوم هي أصعب ما مرّوا به حتّى الآن، لكن تزدهرُ فضاءات المعرفة حول إنهاء الاستعمار والعمل الفكري والثقافي أينما يُنَظِّم الفلسطينيون المعرفة والتاريخ والذاكرة بشكلٍ فردي أو جماعي. نحتاجُ إلى إيجاد هذه الفضاءات وفهم ما تُخبرنا به عن حاضرنا، وعندها فقط سنتمكّن من إعادة تخيُّل مُستقبلنا والعمل من أجل حُريتنا.

المثقف والسياسة

فاتسلاف هافيل، يارا نصّار

زكريا محمد

مجلة 28

أيّ دور لأيّ مثقف؟: إجابات من كتاب دور المُثقّف في التحوُّلات التاريخية

أحمد بسيوني
جارٍ التحميل