Image default
نقد

حسين البرغوثي: لعبة المتاهة

 

على الرَّغم من أنَّه قال مرَّة: «لا أكتبُ المتاهات، بل «حكمة المتاهات». وكتابي نفسي. مثلما قلتُ في «ما قالته الغجريَّة»: «مَنْ علَّمكَ الرَّقصَ؟ قالت: «متاهةْ»[1] ، إلا أنَّ «المتاهة» مفهوم عصيٌّ على التَّحديد في كتابات حسين البرغوثي، لأنَّها هي المتاهة. ذلك أنَّ «الأنا»، التي يصفها بأنَّها «مركز السَّراب»[2]، تبدو خارطةَ ذاتِها الوحيدة التي يصطادُ فيها الجسدُ الروحَ، فيتنافسان على أدوار الفاعليَّة والمفعوليَّة بين «الأنا» و«سواها» بتوسُّط لغويٍّ في النِّتاجات الشِّعريَّة، والسَّرديَّة، والنَّقديَّة. ومن هنا تأتي أهمية التدرُّب على اجتياز «المتاهة» التي تتحوَّل، تدريجيًّا، من «حالة ذهنيَّة مَرَضيَّة» إلى «لعبةٍ كتابيَّةٍ إبداعيَّة» لا بدَّ من سبرها: بداية، ونهاية، ومسارب.

فمتاهة البداية تنشأ نتيجة الغموض المفرط أو الوضوح المفرط. أمَّا الغموض، فمثاله خوارزميَّات الرِّياضيَّات المقدَّسة التي حاول البرغوثي سبرها لفهم بنى الشِّعر الكلاسيكيِّ في «بلاد العميان»، استنادًا إلى دراسة خرائط الفلك وطقوس الوثنيَّة عند عرب ما قبل الدَّعوة[3] . وقد تسبَّب الخوض المنطقيُّ في قصص خياليَّة متعدِّدة الرِّوايات، منها التَّاريخيُّ ومنها فوق التَّاريخيِّ، بالوقوع في متاهة سرمديَّة صنعها هو نفسه، وهي لا تكاد تنتهي إن لم يمتلك السَّائر شغفَ بحثٍ (روح طفل)، وإرادةَ مواجهةٍ (روح أسد)، وطاقةَ احتمالٍ (روح جمل) تبعًا لخطاطة نيتشه الشَّهيرة[4]. وأمَّا الوضوح، فيسبِّبه سوء تفاهم استيهاميٌّ بين «الأنا» ومحيطها، سواء في إنتاج نصٍّ يشبه المتاهة، كالخطِّ المستقيم الذي تُخَطَّطُ استنادًا إليه مدينة متعدِّدة الميادين؛ أو في إعطاء تفسير له بغية إنتاج معنى يصير متاهة جديدة تكوِّنها المقاصد الشِّعريَّة والمقاصد المنطقيَّة[5] . فالمتاهة، إذن، «حالة ذهنيَّة» ناشئة عن ظروفٍ تُحيط بواقع «الأنا الواعية» الذي تعيشه، وتحول دون بلوغ اليقين. وبهذا المعنى، فـ «الصَّوت الآخَر» متاهةُ بدايةٍ بالغة الغموض، خلاصتُها: «لا وجود للأنا، بل لصورها»؛ ومتاهةُ بدايةٍ بالغة الوضوح، خلاصتُها: «خَطِّيَّة الصُّور تحجبُ الأنا».

أمَّا متاهة المسارب، فتتعدَّد تبعًا للنُّقطة التي يفقدُ فيها السَّائر «نقطة الثَّبات»، كمرجعيَّة الوطن والذَّاكرة الأليفة، حيث يتحوُّل الحنين إليهما إلى متاهة[6] . هنا، تصير «الأنا»، في المنفى (الخارجيِّ أو الجوَّانيِّ)، كالمقيم في بلاد مبنيَّة على ظهر حوت، وفجأة يتحرَّك الحوت نحو الأعماق، حيث يغرقُ كل شيء، وأوَّلُ ما يغرق «الفكرةُ عن الثَّبات». وفي هذه الحالة، على «الأنا» أن تكون متمرِّسة على العيش في عالم الهامش الذي لا روح فيه، وسلاحها الوحيد هو «عشق المسافة» لتمكين الرُّوح من الاهتجار والرَّقص في عوالمها بتقنيَّة خاصَّة: أن يكتم المرء أقصاه عمَّن يحيطون به، مثل مركز الدَّائرة «محيطها يلامسُ الهواء خارجها، ولكنَّه مقفل». ولا يتحقَّق ذلك إلا عبر قناع «العاديَّة». لم يرتدِ البرغوثي قناعًا واحدًا بل سبعةً، وقد تعلَّم «نشيد الأقنعة» من نيتشه، واحدًا لكلِّ يوم في الأسبوع، يبعد النَّاس عن «مركز روحه» ليرقص وحده بعيدًا عن مجتمع «المؤمنين» الذي قلَّ فيه «العارفون». ولضمان الوصول، ينبغي أن تكون «الأنا» قادرة على ممارسة هذا «الرَّقص الرُّوحيِّ» الذي لا يَدخل من يتعلَّمه «المتاهة» إلا ليَخرجَ منها إن «انتفع بما تعلَّمه»، و«لم يوقظ القوى النَّائمة» فيه، واكتسب «القدرة على التَّمييز» الضَّامن لـ «معرفة الميول» التي تؤمَّن «معرفة القَدَر»، التي تفضي إلى «معرفة الحاجات»، التي توضح للأنا مسارها إلى خارج المتاهة[7].. . وبهذا المعنى، فـ «الصَّوت الآخَر» متاهةُ مسارب، ونشيد أقنعة متعدِّدة الأقانيم، لا يكاد يبني «فكرة عن الثَّبات» حتى يُغرقها في الأعماق، ويصعد من جديد.

وأمَّا متاهة النِّهاية، فحالة من «فقدان الإدراك» ينجم عنها تيهٌ بين الجهات، وإحساس بالضَّياع، وفقدان للعلامة التي تدلُّ على المخرَج. وهي حالة مَرَضِيَّة تكرَّرت معاناة البرغوثي منها، لكنَّه استنتج، بالدُّربة، أنَّ الجهات وهم ذهنيٌّ، وأنَّ «الأنا» هي نقطة الثَّبات والمركز الذي ينبغي العودة إليه[8] . فبين الإدراك Cognition وإعادة إدراكه                  Re-cognition، لا يحدث فقط الـ «ديجا فو Déjà vu» كأنَّه «ما حدث للتَّوِّ»، بل يتمُّ استئلاف ما كان غريبًا ليَصير الـمُسْتَألَفُ Uncanny فرقًا مَتَاهيًّا بين ذاكرتين للسَّائر نفسه: واحدة لها غاية وخارطة مرجعيَّة، وأخرى دونهما، تقود صاحبها إلى تخوم «اللَّامسمَّى»، وراء حدود الوعي وأشيائه. تسعى الأنا، في رحلة دائبة بين هاتين الذَّاكرتين، حاملة حنين عَودها الأبديِّ من ذاكرة إلى أخرى، ويستمرُّ هذا «الانخلاع من الإطار» إلى أن تظفر الذَّات بـ «علامة» تعيدها إلى المكان الأصليِّ الذي يبقى «غايةً في الميلاديَّة» في انتظارها.. هُنا، يكون المخرَج من المتاهة، بعودة الإدراك للأنا المتعرِّفة على «خارطتها الميلاديَّة»، والإحداثيَّات المتفرِّعة عنها. مسارب هذه المتاهة، لأنا واعية تبحث عن «ياء ملكيَّتها» لأشياء الوعي التي فقدتْها بين ذاكرتين، تشبه ممثَّلًا يذهب لرؤية فيلم سينمائيٍّ هو بطله الرئيس؛ أو هنديًّا أحمر يعتقدُ بوجوده في «حلمٍ يحلُمُهُ»، ليس الهنديُّ فاعل الحلم بل نائب فاعله المتفرِّج وحسب، «شيء» من «أشياء وعيه» وحسب. وبهذا المعنى، فـ «الصَّوت الآخَر» متاهةُ نهايةٍ، تضع كلَّ «إدراك» بين قوسين، ثم تضع «إعادة إدراكه» بين قوسين، ثم تستوحش المدرَك والمستعاد إدراكه، أو تَستألفهما، في «صالة مرايا» ذهنيَّة لا سقف لها، ولا مسطبة، ولا جدران.

لكنَّ المتاهة، بأنواعها الثَّلاثة، ليست لعنة مطلقة، بل يمكن تحويلها من «حالةٍ ذهنيَّةٍ مَرَضيَّة» إلى «لعبةِ كتابيَّة إبداعيَّة» بخطوتين: واحدة نظريَّة، إذ في لحظة الخلق الإبداعيِّ يسهم النَّقد، عبر فعل «التَّحويل»، في الخروج من المتاهة، حيث ينقل «المعرفة الميِّتة» إلى «ضوء الحياة»[9] . وكمثالٍ على كشف النَّقد خارطةَ المتاهة، يُبيِّنُ البرغوثي موقعيَّة «الأنا» بين الذَّاتيَّة والموضوعيَّة في نصَّيْ «المتاهات» [10] و«موللوي»[11] ، موضحًا أنَّه «بينما يسعى بورخيس إلى تصميم متاهةٍ تحكُمها قوانين إنسانيَّة لتحلَّ محلَّ الكون الحقيقيِّ، يسعى بيكيت إلى تقليص الأنا أو الفرد حتَّى تختفي قدرتها أو قدرته على فعل أيِّ شيء.. بدل الأنا التي يختفي العالم أمامها عند بورخيس، عندنا الأنا التي تختفي أمام العالم عند بيكيت»[12] . يقفُ البرغوثي بين المتاهتين، ويختمُ أطروحة «الصَّوت الآخَر»، بسؤالٍ مفتوح تتمارى فيه الذَّات في موضوعها، والموضوع في ذاته الخالقة، وهكذا دواليك. إنَّه جدل التَّاريخ بين سادةٍ وعبيد.. لا بدء، ولا انتهاء.

والأخرى إبداعيَّة، توضّح ماهيَّة العلاقة بين الأنا ووعيها لذاتها، بعمل فنِّيٍّ للرسَّام الإيطاليِّ لوشيو فونتانا الذي رسم لوحة تُرى خلفيَّتُها للواقف أمامها كما يُرى سطحها الظَّاهر، بعد أن خرقها ليوصل العين إلى السَّطح الخلفيّ. ففقدان الإدراك، لدى البرغوثي، هو حالة أنطولوجيَّة، لكنَّه كذلك، محاولة تشبه خرقًا من هذا النَّوع للوحة الوجود، ذلك أن «فقدان الإدراك افتراع لبكارة الإدراك، مكان ذهنيٌّ جديد، لوحة نراها من الجهتين». أمَّا الخوف من فعل ذلك، فهو المتاهة بعينها، يتسبَّب بها الخوف ذاته من رؤية الجانب الآخَر، والعبور إلى الضِّفَّة الأخرى، وهذا ما عبرَّ البرغوثي عنه، لاحقًا بـ «الفراغ الذي رأى التَّفاصيل»[13] . هنا، تتحوَّل «حالة فقدان الإدراك» من متاهة مَرَضِيَّة إلى لعبة إبداعيَّة، حين تُستَدعى بوعي وإرادة، بحيث تصير ماكينة تخييليَّة توقِفُ «الإدراكَ المألوفَ للمألوف»… وهذا ما ينقل المتاهة من ذات الكاتب إلى ذات المتلقَّي.

وعلى ذلك، تلزمُ معرفة عليا بالعلامات لتجاوز المتاهة في كتابة البرغوثي، إذ هي كتابة: ترحاليَّة، سُلاليَّة، تخريبيَّة، لاهثة. كتابة ترحاليَّة يتغاير فيها التَّزمين Temporal والتَّمكين Spatial لاستضافة ثلاثة عقود من الإبداع (1972-2002). وكتابة سُلاليَّة، تَتصادى فيها الأصوات وتَتناسخ فيها الأرواح، ولا تنتهي بالتَّخطيط والكتابة والنَّشر، بل «تتناتج»، دائريًّا، في حيواتٍ أخرى لفواعل آخرين: تتبدَّى فيها، حرفيًّا، هندسة «الجينات» لا «الجينيالوجيات»، وتحكمها ذاكرة ثلاثيَّة الأبعاد: هو، ومن قبله (والداه)، ومن بعده (ولده). ثلاثة أجيال، يشبه تناسخها «مَدّ الزّيتون في الزّيت». وكتابة تخريبيَّة، لأنها إبداع من نوع خاصّ: «نفيٌ يتقدَّم» أيديولوجيًّا وأنطولوجيًّا، لزعزعة النِّظام وزلزلة القارِّ، في الرحلة الدَّائريَّة لـ«العَوْد الأبديِّ إلى أوَّله» بين «النَّسق الشَّرقيِّ» و«النَّسق الغربيِّ».. وكتابة لاهثة، لأنَّها كتابة فلسطينيَّة: واضحة البداية، مشتَّتة الرِّحلة، مبتورة النِّهاية.

 

_____________________________

* النص شذرة من مقدِّمة المؤلف (خصَّ بها «مجلة 28») لعمل حسين البرغوثي، الصَّوت الآخَر: مُقدِّمة إلى ظَواهريَّة الـتَّحوُّل، ترجمة وتقديم عبد الرحيم الشيخ (عمّان/ تونس/ القاهرة: الأهلية للنشر والتوزيع/ التنوير، 2020).

[1] حسين البرغوثي، “لحظة الخلق”، الشُّعراء، العدد 8 (2000).

[2]   Hussein Al-Barghouthi, The Other Voice: An Introduction to the Phenomenology of Metamorphosis (Seattle: The University of Washington, 1992).

[3] حسين البرغوثي، السَّادن، النَّاقة: قصص عن زمن وثنيّ، إعداد وتحقيق مراد السوداني (رام الله: المؤسَّسة الفلسطينيَّة للإرشاد القوميّ، 2003).

[4]   حسين البرغوثي، “تأمُّلات في روح الأسد: جدليَّة الأفقيِّ والعموديِّ في شعر المتنبِّي”، الشُّعراء، العدد 2 (1998).

[5]   Al-Barghouthi.

[6]  حسين البرغوثي، الضَّوء الأزرق (القدس/ رام الله: بيت المقدس للنَّشر والتَّوزيع/ بيت الشِّعر الفلسطينيّ، 2001).

[7]حسين البرغوثي، “مغناطيس الهويَّة والشَّخصيَّة عند محمود درويش”، الشُّعراء، العددان 4-5 (1999).

[8]  حسين البرغوثي، “الأنا والمكان”، مشارف، العدد 10 (1996).

[9] حسين البرغوثي، “ثلاث محاضرات: من أسس الشِّعر عند العرب”، الشُّعراء، العدد 25 (2004).

[10] Jorge Luis Borges, Labyrinths: Selected Stories and Other Writings (New York: New Directions Publishing Corporation, 1962).

[11] Samuel Beckett, Molloy (Three Novels) (New York: Grove Press, 1955).

[12] حسين البرغوثي، “طبيعة الخلق الأدبيّ: دراسة في الذَّاتية-ميكانزماتها ومستقبلها وعلاقتها بالثَّورة”، الكاتب للثَّقافة الإنسانيَّة والتَّقدُّم، العدد 44 (1983).

[13] حسين البرغوثي، “الفراغ الذي رأي التَّفاصيل”، أوغاريت، العدد 1 (1996).

 

أيّ دور لأيّ مثقف؟: إجابات من كتاب دور المُثقّف في التحوُّلات التاريخية

أحمد بسيوني
جارٍ التحميل