Image default
نصوص

لو أستيقظ لأجد نفسي حمامة

لو أستيقظُ لأجدَ نفسي حمامة، ربّما كنتُ سأقضي يومي الأوّلَ أستكشفُ جسدي الجديدَ مُستغربًا، ثمَّ يصبحُ الأمرُ مألوفًا بعدَ ذلك. أوّل ما سيحرّكُ فيَّ إحساسًا بالجِدّةِ لحظةَ استيقاظي غالبًا، هو الحركةُ غير المألوفة لأجفاني السُّفليّة، ثمّ لن أنفكَّ أجرّبُ زوجَيْ الجفونِ الإضافيّين كصبيٍّ يجرّبُ قبضةَ البلاي ستيشن الجديدة.

لن ألبثَ أن يزعجني كوني لا أستطيعُ الحملقةَ في منقاري كما يجب، بسببِ عينيَّ الغبيّتينِ اللّتين تُبصران كلٌّ على حدةٍ في جانِبَيْ رأسي الصّغير. ربّما سأتذمّرُ سريعًا؛ ما الفائدةُ من امتلاكِ منقارٍ لطالما حلمتُ بهِ منذ بدايةِ النصِّ إن لم أكن أستطيع إمعان النّظرِ فيه، ثمَّ إنّي – بسبب انعدام إدراكِ الذّاتِ لدى بني ريشتي – لن أستطيعَ استيعابَ النّظرِ في المرآة، وغالبًا سأضطرُّ أن ألجأ إلى ذاكرتي الإنسانيّةِ السّالفة، فأتذكّرُ أنّني كنتُ أستظرِفُ مناقيرَ الحمامِ بِفتحتَيْ التّنفّسِ البارزتين بشكلٍ مضحك، وأنّني كنتُ أعشقُ مداعبةَ مناقيرِ الزّغاليلِ الطّريّةِ وأنا أحمِلُها في كفّيَّ طفلًا مستمتعًا بوخزِ زغبِها.. لو داعبني طفلٌ الآنَ بتلكَ الطّريقةِ لاستشطتُ غضبًا ونقرتُ الّذي خَلَّفَهُ لامتهانِ كرامتي الإنسانيّة… عفوًا، الحماميّة.

ما هذه الرّعونة، أنا حمامةٌ منذُ بدايةِ الصّفحة، وها أنا ألهو بهذه السّخافاتِ بينما بإمكاني أن أطير! فلأجرِّبْ شعور بدايةِ الرّفرفة.. شعورَ اصطفاقِ الأجنحة.. شدٌّ عضليٌّ طريفٌ لدى منبتِ الجناح، يا سلام!

أشفقُ عليكَ أيّها الكائن البشريّ.. تلمَّس – يا بن العمِّ – الطّرَفَ العلويَّ النّاتئَ من مفصلِ كتفِك، أترى لو أنَّكَ لم تستطِع إدراكَهُ للتّوّ؟ لكانَ سيمكنكَ أن تستعملَه كمنبتِ جناحٍ وترفرفَ ببساطة. والآنَ بينما أطير، بإمكاني أن أزرِقَ على كلِّ أصنام دكتاتوريّي العالم؛ ليس لأنّني أبغضُ الدِّكتاتوريّين، بل فقط لأنّني شعرتُ للصّدفةِ بالحاجة إلى الزّرْق لحظةَ مروريَ فوقَ هذهِ التّماثيل بينَ عشراتِ الأماكنِ الأخرى.

نافورة ماء! سأهبطُ كيْ أشرب. لكنّني لم أكُن أشعرُ بالعطش، أم ربّما كنت أشعرُ بهِ دون أن أدرِك ذلكَ لأنّني لم أجرّب أن أعطشَ كحمامةٍ سابقًا. هل يعرفُ باقي الحمام أنَّ اسمَ هذه السّاحة هو «ساحةُ المرجة»؟ سأتجنّب أن أحادثهم لئلّا أُظهرَ أنّني غِرٌّ في كوني حمامة. أشربُ ويتهدّجُ عُنُقي. لا بدَّ أنَّ المنظر كانَ ليبدو طريفًا لو أنّني بشريٌّ أراقبُني من الخارج. وبعدَ الانتهاء من الشّربِ رفقةَ شلّة حمام، ما هو البروتوكول المُتَّبَع؟ أيجدرُ بي أن أفتَحَ حديثًا صغيرًا، أم أطيرَ فحسب؟ لا أريد أن أبدوَ غرًّا يرتبِكُ في الإقلاعِ أمامَهم. ها هم يطيرون.. ها أنا أطير.. الأمرُ أسهلُ ممّا يتخيّلُ البشر.

حينَ أقِفُ وسطَ الطّريق السّريعِ وتلوحُ لي سيّارةٌ مسرعةٌ في الأفق، سأبقى أنظر إليها بعينِي الموافقةِ لجهتِها وأنا أحرِّكُ رأسي حركاتٍ انتقاليّةً مضحكةً للبشرِ وعاديّةً للحمام، وأقول: «ليس بعد.. ليس بعد.. ليس بعد..»، وحينَ تكاد تدهسني أو تنحرف عن الطّريق كيلا تفعل – تبعًا لنوعِ البشريّ الّذي يقودها – سأوعزُ لنفسي في اللّحظةِ الفصلِ: «الآن»، وأطيرُ مرتبكًا.. ليسَ لأنّني أجد ذلك مسليًّا، بل لأنّني حمامةٌ غبيّةٌ وحسب.

هنالك موقف مستقبليّ سيربكني. حينَ سيأتي الوقتُ كيْ أدرِّبَ زغاليلي الصّغار على الطّيران، عليَّ أن أتوصّلَ إلى طريقةٍ لاستدرارِ تفهّمهم، فأنا لم أحظَ بفرصةِ أن يدرّبني أحدٌ على الطّيران منذ نعومة زغبي.. ببساطة، استيقظتُ حمامةً فشعرتُ أنَّهُ من الغبيِّ ألّا أطير. ليسَ مُستبعدًا في نهايةِ اليومِ الأوّلِ هذا – بينما أُحملِقُ في جانبيَّ معًا – أن يأتيَ بشريٌّ ما من أمامي (يا للوقاحة!) ليلتقطني ويحملني إلى بيتِهِ فيجعلني حيوانَ ابنهِ الأليف، وعرضةً ليديهِ الصّغيرتين تمتهنان كرامة منقاري الحماميّة، مقابلَ أن يُشارَ إليّ في اللّغةِ الإنجليزيّةِ – منذ ذلك فصاعدًا – بضمير الغائب المذكّر بدلًا من ضميرِ غير العاقل لأنّني مُنِحتُ اسمًا، وهو شكلٌ آخر من امتهان الكرامة الحماميّة لا يقلّ فداحة.

ما عليّ.. لا بدَّ أنَّ أحدهم استيقظَ اليوم كيرقةٍ، ليجدني ألتقفه بمنقاري – الّذي يُضحِك سَلفي البشريّ – وأزدرده دون متعةٍ أو شعورٍ بالذّنب.. ربّما! غير أنّني لو أستيقظُ لأجدَ نفسي حمامةً فعلًا، سأستمرُّ في كونيَ حمامةً وحسب.

_______________________________

*قصّة قصيرة من مجموعة أربعون أنا ونصف بصلة الحاصلة على إشادة وتوصية بالنشر من لجنة تحكيم مسابقة الكاتب الشاب – القطّان (2019).

برُّ الفراغ

شهد الشمالي

لنا حزنُنا الصفيقُ

عثمان حسين

أنا بنتُ نفسي

هلا الشروف
جارٍ التحميل