Image default
مسرح

المسرح العربي والجائحة: ثلاثة أطوار

مع بداية جائحة كورونا (كوفيد-19) وعلى امتداد الأشهر التالية، تأثرت كافّة مناحي الحياة في العالم، إذ تباطأت وتيرة الحياة وتوقفت العروض الحيّة، ابتداءً بالحفلات الموسيقية وليس انتهاءً بالسينما والعروض المَسرحيّة، وهي فنون تتطلب في جزءٍ كبيرٍ منها حُضور الجُمهور في صالة العرض، وذلك إما للانخراط المُباشر مع الفنانين أنفسهم، أو حتى على الأقل لما يتعلّق بالجانب المادي – مثل شراء التذاكر – الذي يُبقي هذه الفعاليات على قيد الحياة.

لا تعودُ أهمية الجمهور في الحضور المسرحيّ أو السينمائي على الممثلين أو المنتجين فقط، بل ثمّة ما يعود على الجمهور نفسه، حيث أنّ التواجد في مكانٍ يضمُّ أشخاصًا مختلفين لا يعرفون بعضهم، لكن يتشاركون الاهتمام نفسهُ، هو ما يخلقُ حالةً من الانتماءِ إلى وسطٍ معين، والقدرة على الجلوس والحديث، غيرَ أن الدراسات الحديثة[1] أثبتت أن الدماغ البشري يُفضّل التجربة الحية والحقيقية على غيرها، مثل تحميل الأغاني منزليًا أو مشاهدة الأفلام عبر الإنترنت، والأهم من ذلك؛ أكثر من مشاهدة العروض المسرحية عبر الإنترنتْ. وتفيد الدراسات العلمية[2]  أيضًا أن حضور مثل هذه الفعاليات يُخفف من الضغط النفسيّ، كون مشاهدة التفاعلات المباشرة لحدثٍ مسرحيٍ مُعين، يُساعد الدماغ على إفراز الإندورفين مع تطوّر الحدث المسرحيّ، وهو ما يُوقف مُستشعرات الألم لفترة قصيرة. يأخذنا هذا تمامًا إلى الوظيفة التطهيرية Catharsis للمسرح حسب أرسطو.

لم يكن العالم العربي بمعزلٍ عن باقي العالم في تأثّر مسرحهِ بجائحة كورونا، حيث توقفت العروض وتأجلت المهرجانات المحلية والدولية، إلّا أنّ آراء المسرحيين العرب تفاوتت حول أثر هذه الأزمة على المسرح، فمن وجهة نظر البعض، لم تكن الحالة جيدة قبل الأزمة. إذا نظرنا إلى وظائف المسرح الأولى، نجدُ أنّها كانت واحدةً من أشكال التجمّع والنقد الاجتماعِي-السياسي والسخرية من الحال والواقع، لكن المسرح العربي باتَ مؤخرًا – كما يُشيرُ الممثل ومسؤول مركز شؤون المسرح القطري صلاح المُلّا – أداةً في أيديّ الدول، تستخدمها في تعبئة الجمهور أو تمييعه بشكلٍ عام، وذلك عبر مراقبة النصوص وتقييدها، واختيار الممثلين المناسبين للسلطة، بحيث لم يعد المسرح مجالًا للعمل المكتوب أو الفن الأدائي أو حتى الإتقان المسرحي، وهو ما خلقَ صدَعًا قويًا بين الجمهور والمسرح، والذي يتمثل أساسًا في مثلثٍ أطرافه (خشبة مسرح – العمل الإبداعي – الجمهور)، مما أدى إلى انحدار الحالة المسرحية وغياب الاهتمام بها، سواء على صعيد الكِتابة أو الإخراج أو التمثيل، والأهم: المُشاهدة.

أمّا المُخرج والممثل العراقي محمود أبو العبّاس، فكانت له وجهة نظر أخرى حيال المسرح قبل الجائحة، فهو يرى أنه وعلى الرغم من سيطرة الفنون البصرية الأخرى على الساحة الفنّية، إلا أن المسرحَ حافظَ على مكانته وقيمته القائمة على الاتصال والتفاعل بين الفنان والجمهور، حيث يكون الجمهور عُنصرًا فاعلًا في العملية نفسها، لا مُجرد مشاهدٍ غائب. وأشار أبو العبّاس، أنّ المسرح العربي صار مؤخرًا – وللأسف – يقتصرُ على المهرجانات المسرحية في الدول العربية، والمسرحيات المُشاركة تحاولُ التصدّر أو السيطرة على هذا الفن، خلافًا لفكرة المسرح التي تتطلبُ مجتمعًا مثقفًا وواعيًا لقيمته، إذ تَحضرُ خطوط التقاء ذهنية تقترب كثيرًا من عالم الأفكار، وتتطلّب كذلك أن يعي الجمهور الحياة التي يصوّرَ المسرح بورتريه لها يُثير الكثير من الأسئلة عبر الرموز واحتمالات التأويل.

وعند سؤال المُلّا عن أزمة الكورونا والمسرح، قال إن الجائحة ليست إلا أزمة مرحلة تنتهي بعد عامٍ أو اثنين، وليست أزمة تضرب في البنى الثقافية، وبالتالي، فإن ما يجري هو مُجرد تأجيلٍ لما كان قبلًا، وهو ما يتفق فيه مع أبو العبّاس الذي أوضحَ أن الجائحة لم تؤثر على المسرح فحسب بل على الحياة بشكلٍ عامٍ، وكأن أحدهم ضغط على زرِّ توقف مؤقت في انتظار انتهاء هذه الوقفة، لتعود الأمور إلى نصابها. وفي إطار توقعاته للمسرح بعد انتهاء الجائحة، أشار المُلا بأنه سيكون مثلما كان على الأغلب، إن لم يكن أسوأ قليلًا، في حين يبدو أبو العباس متفائلًا بطريقةٍ سوداوية موضحًا أن فعل التعافي بعد كل وباء كبير ،أو بعد كل حرب عالمية أو بعد كل فعل حياتي مُعقّد يُوقف حركة الحياة، يتطلبُ سواء إنسانيًا أو على صعيد التعامل المسرحي فترةً من الزمن، ليكون قادرًا على تضمين فكرة أن الألم والجرح يوحّد الجميع، فالتعامل الفني مع الملمات والمصائب غالبًا ما يستغرق وقتًا، وهذا الوقتُ مهم، ليكون الفنان نفسه أولًا قادرًا على استيعاب الأمر شخصيًا وأدبيًا، وليتمكن من رسم علاقة جديدة بين عناصر الحياة والموت؛ علاقة يستطيع الجمهور ثانيًا تلّقيها وهي تُناقش أو تتناول فترة عاشها شخصيًا.

مَسرح أم عروض مسرحيّة

مع اشتداد أزمة الجائحة، لجأت كثير من دور العرض المسرحية حول العالم إلى عرض مسرحياتها عبر الإنترنت، إما بعروضٍ حيّة ومُباشِرة أو بفيديوهات مصوّرة مسبقًا، محاولةً منها للحفاظ على ذلك الخط بين الجمهور والفن المعروض، لكّنها تخسر في الطريق تلك الميزة المُباشِرة حقًا. فكما أشرنا أعلاه، لا يكون الحضور حضورًا حين يجلسُ خلف شاشة، ولا يكون العرض مسرحيًا إن كُسرت العلاقة بين أطراف المثلث الثلاثة. وشرح الأستاذ المُلا، بأنه يمكن نقل المسرح عبر الإنترنت، لكنه لا يبقى مسرحًا، بل يصبح عرضًا مسرحيًا أو مجرد «فيديو» لا يختلف في عرضه عن أي عرض تلفزيوني آخر، لأنه يخسر في العملية عنصر «التلاقي»؛ ذاك العنصر الذي يجعل المُمثل مشتبكًا مع الجمهور حين يراهم أمامه، وتصيبه تلك الحالة من الاندماج والتي ينقلها إليهم بإحساسهِ وأدائهِ، والتي يستحيل نقلها عبر كاميرا فيديو، أو بالتلاعب في الكوادر باستخدام الإعدادات الافتراضية وخلفيات الكروما، والتي تُخالف أساسات العمل المسرحي بالمقام الأول. يتفق أبو العباس مع هذا الرأي تمامًا، ويقتبسُ كلام المُخرج الألماني برتولت بريخت (1898-1956) بأن «المسرح دون جمهور لا معنى له»، ولم يُبدِ اعتراضه فقط على نقلِ الأعمال المسرحية عبر الإنترنت، بل ضدّ تصويرها بشكلٍ عامِ، لأنّ الكاميرات لن تكون قادرةً على نقلِ التجربة الشاعرية والشعورية للمسرح أبدًا، لكنه في الوقت نفسهِ، يرى أن استخدام الإنترنت والتقنيات الحديثة في العرض، قد تساعد في توطيد أواصر العلاقة المتهالكة بين الجمهور الحديث والمسرح بوصفهِ فنًّا عريقًا وقديمًا.

بين المسرح والسينما

من نافل القول إنّ ثمّة علاقة وطيدة بين فن المسرح والفن السينمائي، إذ تطوّر الأخير عبر خليطٍ من المسرح والسرد الروائي الطويل. وحتى وقت قريبٍ، كانت الأفلام السينمائية تُعرض رأسًا فقط في المسارح Theatres أو بالعربية دور العرض السينمائيّة، وإثر الجائحة توقفت كثير من الأفلام عن الإنتاج والتمثيل بفعل التباعد الاجتماعي، وأيضًا، توقف/ تأجّل عرض كثير من الأفلام التي أُنتجت مُسبقًا، لأن مكانها ليس على شاشة لابتوب أو تلفزيون، بل صالات عرض مُجهزة بإمكانيات جرافيكس وصوت خاصّة.

في حوار مع مجلة 28، قال صانع الأفلام السوري بِشر إدلبيّ إن جميع قطاعات الأعمال والتجارة والصناعة قد تأثرت بجائحة كورونا، وكان الأكثر تأثرًا بعد الطيران، قطاعات الترفيه، ومنها صناعة السينما، والتي قُدّرت خسارتها عالميًا بحوالي ثلاثين مليار دولارًا، توزعت على توقف عروض الأفلام، وأيضًا في ضياع أموال التسويق التي كانت قد أنفقت على مدار العام المَاضي.

ويضيف إدلبي بأن صناعة السينما تفادت في العالم بعض الخسائر عن طريق عرض الأفلام عبر خدمات البث والشراء عبر الانترنت، ولكن لا تزال خدمات البث في العالم العربي محدودةً وضعيفة مقارنةً بالخدمات العالمية كنتفلكس وأمازون برايم وهولو، سواء من ناحية المحتوى لقلة المحتوى العربي المتاح عبر الانترنت مقارنة بالأجنبي، أو من الناحية التقنية، فخدمات كشاهد وOSN تعاني من سوء مزودات الخدمة وضعف الواجهات والتطبيقات. والمشكلة الأكثر بروزًا تعودُ إلى اعتياد المشاهد العربي على مشاهدة المحتوى المقرصن، وضعف فكرة الدفع مقابل الترفيه. لكن في المقابل، أظن أن خسائر السينما العربية أقل من ناحية الإنتاج والعروض، فمصر مثلًا، البلد الأكثر إنتاجًا للأفلام في العالم العربي، لم تلتزم بإجراءات الحجر الصحي والتباعد وإيقاف الأعمال كما باقي الدول.

وبالطبعِ، لا يختلف أثر الجمهور في صالات العرض السينمائية عن قريبه المسرح، حيث لذلك الحضور الجماعي والتفاعل الحقيقي مع الصور المُتحركة رهبةٌ وخشوعٌ لا يُمكن أن يجده المُشاهد في البيت. ولهذا طرحنا على إدلبي سؤالًا حول أهمية الجمهور سينمائيًا، فأشار إلى وجود «حركة كبيرة تُدافع عن السينما التقليدية ومشاهدة الأفلام في قاعات السينما وعلى الشاشة الكبيرة، ولذلك إيجابيات كثيرة أميل لها شخصيًا». لكنه أضاف بأنّ الفنون عامةً، والسينما خاصةً، أكبر من حصرها في قالبٍ واحد، «فتجربة مشاهدة فيلم سينمائي في بيتك بين أهلك وأولادك، مع مقاطعات وثرثرات وأسئلة، هي تجربة مختلفة تمامًا ولها خصوصيتها وتفرُّدها، وليست بمنزلةٍ أقل من التجربة السينمائية التقليدية».

 

[1] Lauren Armao, “Why We Go to Concerts: The Science Behind Live Music,” Melodic Magazine, 122018/4/, accessed on 16 / 9 / 2020 , at: https://Bit.ly/2ZL4Erv

[2] (2) Ruben Castaneda, “6 Reasons Going to Concerts Is Good for Your Health,” U.S. News, 26 / 10 / 2016 accessed on 16 / 9 / 2020, at: https://Bit.ly/3moK8Xg

رسائل من وعن غزة

هند جودة

نافذة على عالم الكاتب والمخرج المسرحي عبد الفتاح شحادة

هند جودة
جارٍ التحميل