Image default
موسيقا

دلال أبو آمنة والعودة إلى موسيقا الزمن الجميل

تعرّفتُ إلى الفنانة دلال أبو آمنة من خلال مقاطعها المصوّرة المُنتشرة عبر منصّات التواصل الاجتماعي، التي تغني فيها أغانٍ من التراث الفلسطيني رفقة سيداتٍ مسنّاتٍ يرافقنها في الأداء والتشجيع، لأتوقف فيما بعد عند جلسةٍ طربية تؤدي فيها المقطع الأخير من أغنية أم كلثوم «أنا في انتظارك» بصوتٍ جميل وأداءٍ قوي ومتمكن، مما دفعني لرحلة البحثِ عنها.

للفنانة الفلسطينية – والدكتورة الباحثة في علوم الدماغ وفيسيولوجيا الأعصاب – دلال أبو آمنة صوتٌ واسع المساحة، متمكنٌ من المقامات العربية وأساليب الزخرفة الصوتية والتزيين، حضوره جليٌ سواء بالأسلوب المصري أو الشامي، والفنانة مُتمكنة من تلك المهارة الطربية في الإفلات المُتعمد من الإيقاع ثم الرجوع إليه في الوقت المناسب لقفل التزيين اللحني مع الفرقة. كما أنها تتحكم برشاقةٍ في استخدام الصوت المفخم العميق الصادر من الصدر (كما صوت أم كلثوم) أو الصوت النحيف الصادر من الرأس. وبالإضافة لكل تلك الميزات الصوتية، فإن حضورها وتفاعلها مع الجمهور أو أمام الكاميرا يضيف لأدائها تناسقًا بصريًا.

وانتبهتُ لاحقًا إلى كثافة نشاط أبو آمنة الفني، فقد شاهدتُ مقاطع عديدة من حفلات صغيرة وعلى مسارح كبيرة ومقاطع مؤدية في جلسات موسيقية طربية، ولاحظتُ فيها غنائها لكلاسيكيات الموسيقا العربية وأغاني التراث الفلسطيني، وبدأت أتساءلُ عن طبيعة إنتاجها الموسيقي؛ هل تقتصرُ أعمالها على إعادة إحياء موسيقا الزمن الجميل؟ أم ثمّة إنتاج فني جديد؟ عبّرت الفنانة في مواضعٍ مختلفة عن اهتمامها بالموسيقا العربية الكلاسيكية، إضافةً إلى سعيها من خلال أعمالها إلى إحياء التراث الموسيقي حفاظًا على الهوية الفلسطينية، فهي ترى أنّ الفن رسالة في المقام الأول، بالمعنى الثقافي والقيمي. وهذا لا يُستنتج من حواراتها فقط، بل يظهرُ في نوعية الأغاني التي تُقدمُ على أدائها، وهنا يُثار سؤال الأصالة الفنيّة، فما نسمعهُ من أغانيها المُلحّنة تتشابه جميعها في نمطية – الكلمة الغنائية والأسلوب اللحني – الأغنية الشامية الشعبية كأعمال أسامة الرحباني، والأغاني الملتزمة للفنانين اللبنانيين أمثال مارسيل خليفة وشربل روحانا، الأمر الذي يجعل أعمالها عادية واعتيادية بمعيار التجديد ولا تعلق في الأذهان، ويسلبُ إمكانياتها الصوتية المتمثلة في الأداء الطربي، لتغدو بصمتها شبيهةً بمغنيات الفن الملتزم.

تُثير تجربة أبو آمنة شعورين متناقضين لديّ، فمن ناحيةٍ أُعجبت بصوتها وأدائها للطربيات وبعض الأغنيات التراثية، ومن ناحية أخرى لا أفهمُ تمسُّكها المفرط بالكلاسيكية وامتناعها عن التعاطي مع ما هو جديد من الأنماط الموسيقية، واحتفاظها بهذا الصوت في مشاريع إعادة إحياء التراث والطربيات والأغاني الصوفية. ولا يَكمُن السبب في الاختيارات، إنما في طريقة تقديمها الكلاسيكية، فلو نظرنا إلى تجارب فنانات أخريات مثل الفلسطينية سناء موسى واللبنانية ريما خشيش والسورية لينا شماميان، نجد أنّهن قد تناولن التراثيات والكلاسيكيات بأسلوبٍ جديد، وقدمن إضافاتٍ رغم انتقاءاتهم المُعتمدة كليًا على إعادة الموروث، أمّا دلال أبو آمنة – رغم تفوّقها صوتيًا على تلك التجارب – إلا أنّها أعادت التراث بنفس الشكل المعهود الذي اعتدنا على سماعه، والطربيات بنفس تركيبة الفرقة الموسيقية، ولم تُضف جديدًا على هذه الإعادات. وعليهِ، ما الفائدة من تقديمه مرّةً أخرى؟ هل هو مُجرّدُ استعراضٍ للصوت والمهارات الفردية؟ وبالمقابل، هل كانت تجربة أبو آمنة ستكون أكثر تطورًا وإبداعًا على الجانب الموسيقي، لو حظيت باهتمام مُنتجين موسيقيين محترفين أو شركات إنتاج؟

ليس المقصود الانتقاص من هذه التجربة – خصوصًا مع تحيّزي إلى التجديد والحداثة – لكنني أعتقد أن تجربة دلال أبو آمنة تجعلنا نرى مصير التجارب الفنية في ظل انتقاص المَأسسة الموسيقية وصعوبة التحرّر من السُّلطات الثقافية، واتباع آليات السوق والصناعة الموسيقية، ونتأمل كيف تفتقدُ أصواتٌ فذّة وإمكانيات موسيقية متميزة للعمق في التجربة الفنية، نتيجة انعدام الفرص واقتصارها على المجهودات الفردية. وحتى في حالات الدعم الثقافي فإن المؤسسات الثقافية الحكومية وغير الحكومية المُموّلة تفتقرُ إلى الخبرة والقدرة على توفير الاستشارة وتوفير الإمكانيات المناسبة من مُعدّات وخبراء وتقنيين، كما أعتقدُ أنّها تُقيّد الموسيقا في موضوعات أو تصوّرات فنية مُحدّدة مُسبقًا، ليست بالضرورة على علاقة بالجمهور ومتطلباته، بل بالتصورات الثقافية الخاصة بإدارة هذه المؤسسات، وهي مشكلة تواجه كل ممتهني الفن في فلسطين في اعتقادي، وفي هذه الفكرة الكثير من الشرح والنقاش. أما بالنسبة لدلال أبو آمنة – رغم تحفظاتي السابقة – فإنني أنتظرُ أن تطلّ علينا بمشاريعٍ أكثر، وأعمال أجمل ولو كانت مجرد كلاسيكيات مكررة، فهذا الصوت المتميّز لا بدَّ أن يُصبح علامة فارقة بين الأصوات في المنطقة العربية.

موسيقى شرقية جديدة بفضل الموسيقى الإلكترونية

عماد الدين لولو

الغناء تنهديتنا في هذه الحرب

ليالي درويش

رؤوف بلبيسي وحلم الأوركسترا

مجلة 28
جارٍ التحميل