Image default
فوتوغراف

حسام سالم: من مصوّر حرب إلى مصوّر سِلم

غادرتَ الحدود والبوّابات المغلقة، ومع ذلك نجدُكَ ما زلتَ واقفًا خلفها.. هل يمكننا قراءة ذلك في معرضك الأخير؟

في معرضي الأخير «إنسان خلف الحدود» الذي أقمته في إسطنبول، حاولتُ تصوير حياة الناس على الحدود التركيّة-السوريّة، مُسترجعًا من خلال هذه اللقطات مشاهدًا مرّت على ذاكرة كاميرتي في غزّة؛ إنها التفاصيلُ ذاتها لحدثين مُختلفين.. هكذا جاءت فكرة المعرض الذي رافقني فيه صديقي المصوّر فايز أبو رميلة من مدينة القدس المُحتلّة، ليوثّق طرائق حياة الناس في ثلاثة أماكن مختلفة تتشاركُ الهمَّ وحلم العودة.

كيف تُعبّر عن تجربتك في إسطنبول؟ هل تأقملت وكاميرتك مع هذه المدينة بعد مرور فترةٍ لا بأس بها؟

صراحةً، لا أملكُ إجابةً واضحة لهذا السؤال، فقد جاءت فرصة الإقامة في إسطنبول بعد قرابة ثلاثين محاولة سفر لم يُحالفها النجاح. في بادئ الأمر، كنتُ أفكّر أنّها تجربة جديدة بالذهاب خارج سياج غزّة، والتفاعل مع مشاهد جديدة غير تلك التي اعتدتُ عليها.. لكن يبدو أنّ السياج يسكنني، فقد تطلّبَ الأمر منّي تسعة أشهر لتقبّل مساحة السلام والحياة المدنية والتكيّف معهما، وكاميرتي تُشبهني، فهي لم تنجذب إلى مشاهد العَمارة العُثمانية والطبيعة النَّضِرة في البداية، إنما كانت تركضُ لتؤنِّسَ طفلًا يتسوّل في محطّات القطار.

وإن كان السؤال عن التجربة، فأشعرُ أنني اكتشفتُ قدرتي على الإنتاج في مدينةٍ صفحاتها مفتوحة على العالم؛ يأتي إليها النّاس وآخرون يذهبوا بيُسرٍ. كما تطوّرت مهاراتي كمصوّر في وقتٍ قياسي، على عكسِ التجارب التي تَحبو بطيئةً داخل غزّة.

دعنا نُذهبُ بك إلى غزّة مع الوقوف في إسطنبول.. ما هي المشاهد التي تأملُ تصويرها مرّةً أخرى في غزّة، والمشاهد التي تهتمُّ بتصويرها حاليًا في تركيا؟

أكثر ما أفتقدهُ ربما، هو المشاركة في تصوير حفلات تخريج الطلّاب من الجامعات الفلسطينية داخل قطاع غزّة، فبقدرِ ما يبدو الأمر مُرهقًا، إلا أنّه يجعلني أفرحُ من أعماقي بينما أشاهدُ الفرحَ يتجوّل ويتقافزُ في كلِّ مكان؛ الفرح الذي نادرًا ما يمرُّ بهذه الصورة الكرنفالية على أناسٍ يعيشون بموارد قليلة وفي ظلِّ حصارٍ حالة حرب مُستمرة، إلّا أنهم لا يفوتون فرصة الاحتفال بأبسط الأشياء، مثل ساعتين إضافيتين من الكهرباء. أمّا المشاهد التي أحبُّ تصويرها في تركيا، فهي توثيق التجارب الجديدة التي أعيشها، إضافةً إلى تصوير الحياة اليومية Street Life.

من مصوّر حرب في غزّة إلى مصوّر سِلم خارجها.. هل بتّ تشعرُ بالأمان؟

أحملُ إيمانًا داخلي يُشعرني بالأمان، وما أتمناه دومًا عدم تعرّضي إلى إصابة أثناء عملي تتسبّبُ لي بإعاقة دائمة، فقد عملتُ على تغطيةِ عشر سنواتٍ من الأحداث المُختلفة داخل غزة وخارجها، وكنتُ على مقربةِ خطواتٍ من الموت عدّة مرّات.. كل هذا لم يؤثّر فيَّ، لكن ما أفقدني الإحساس بالأشياء هو ما وقع في الجمعة الثانية لمسيرات العودة وكسر الحصار على حدود قطاع غزّة عام 2018، فقد شكّل فقدان صديقي المصوّر ياسر مرتجى (1987-2018) مُفارقةً في حياتي. والذي يُنمّي شعور القهر لديّ أنّ الحياة لا تسيرُ بشكلٍ طبيعي رغم توسّلنا لكلِ الأدوات التي من المفترضِ أن تجعلها كذلك، فنحنُ كصحافيين فلسطينيين نحرصُ على الالتزام بأدوات السلامة من دروع وخُوَّذ الصحافة والابتعاد قدر الإمكان عن مناطق الاشتباك المُباشر، إلّا أن الموت يتكرّر، بحيث أصبحنا بعد انتهاء أي جولةٍ ميدانية لا نراقبُ الصور التي خرجنا بها، بل نتأكد من أن عددننا كاملًا في طريق العودة.. لا أعلمُ كيف يُمكنني الحديث على ما وقع، لكن رحيل ياسر ليس بالأمر الذي يُمكن تجاوزه بسهولة، ما زلتُ أشعرُ بالفراغ، والبلادة تتملكني.

يُمثّل التصوير هوية وهواية بالنسبة لك، إضافةً إلى امتهانك له.. لكن هل تشعُر أنّ ثمّة مَهمة منوطةٌ بك؟

ما يجعلني راضيًا هو مساهمتي بأي شكلٍ كان في نقل صورٍ حقيقية للقصص الإنسانية التي تحدثُ على هامش الأضواء والميديا.. من ضحايا الحروب وأطفال المخيمات في غزّة وحتّى اللاجئين السوريين على الحدود السورية التركية، لم أشعُر أنني أؤدي عملًا بالمعنى الوظيفي، إنما أعتبرُ توثيق هذه المشاهد رسالةً تقودني، فيُمكن أن تستحيل الكاميرا طوق نجاة..

حسام سالم مصوّر صحافي فلسطيني من مواليد عام 1989 في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، بدأ التصوير عام 2009، وعمل في التصوير والإنتاج الإعلامي لصالح العديد من وسائل الإعلام العربية والعالمية. شارك في أكثر من عشرين معرض فردي وجماعي، وفاز بالعديد من الجوائز المحلية والعالمية، منها اختيار صور له عدة مرّات كأفضل صورة لليوم من قبل صحيفة The Guardian، واختيار هيئة الإذاعة البريطانية BBC صورته «لحظة كسر قلب الرجل» كأقوى صورة لعام 2014، وحصوله على جائزة أفضل مصوّر صحافي شاب في الدورة الثالثة لمهرجان «جوائز إسطنبول» عام 2017، عن صورته «التدريب في شوارع غزة». إضافةً إلى ترشيحه أكثر من مرّة لجائزة Master World Press Photo، وجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير.

جارٍ التحميل