Image default
المثقفون يتبعهم سلايدر

أن تكون مُثقفًا حقًا دون صخبٍ: عن محمد الشيخ يوسف

«أكره الحرب،ولا أريد الموت، وأكره فكرة أنني موجود الآن في غزة،أكره فكرة أن أكون خارجها أيضًا،لأنني أكره فكرة أن أنجو فيما هناك من يموتون في ذات اللحظة!».

محمد الشيخ يوسف (1987-2020) [1]

لا يستدعي الأمر بلاغةً لغوية للقولِ بأنّها صعبة وقاسية مهمة الكتابة عن صديقٍ تُحبّه. ليس الأمر محاولةً للرثاء، ولا يجدُ له مكانًا أصلًا، لأنّ من يُكتب عنه نال الاعتراف منذ زمنٍ وليس عند اللحظة الفارقة، لكن تتسعُ حدقتا المرء بعد حدث الموت، ويُصبحُ أقدرَ على الكتابة عمّن ذهبوا، رُبما لأنّ المديحَ يفقدُ صفته بعدها! ومن ناحيةٍ أخرى، يصعبُ الإلمام بمسيرةٍ واسعة من الإبداع والعمل الصحافي والنشاط الاجتماعي والسياسي، والاشتباك المُستمر مع قضايا الشأن العام، والانشغال بهموم الناس. يأتي هذا النص كتقديمٍ لمحور العدد 16 من مجلة 28 «المُثقفون يَتبَعَهُم..»، الذي تزامن الإعداد له مع حدث الرحيل المُبكّر لمحمد الشيخ يوسف، والذي لفتَ بدوره إلى أنّنا كُنا أمام مُثقفٍ لم يتغيّر الدور الذي أراده لنفسه، من الميدان وحتّى الفضاء الرقمي.

ولدَ محمد الشيخ يوسف في السادس من تمّوز/ يوليو لعام 1987 في قطاع غزّة وترعرع فيها. درس بكالوريوس إدارة الأعمال في جامعة الأزهر، وغادر غزّة عام 2013 ليعمل ويستقرّ في قطر، ويلتحقَ ببرنامج ماجستير السياسات العامة في جامعة حمد بن خليفة عام 2014، ويؤسّس فريق المحتوى في منصة التواصل الاجتماعي «باز» ويُديره (2016-2018)، ومن ثمّ يؤسّس منصّة «مسبار» لفحص الحقيقة وكشف الكذب في الفضاء العمومي، ويُدير تحريرها (2020).

عُرفَ محمد بنشاطه السياسي والاجتماعي البارز، فقد ساهمَ في آذار/ مارس 2011، في الحشد للحراك الداعي لإنهاء الانقسام بين الفصائل الفلسطينيّة الذي قاد لاحقًا إلى تفاهمات القاهرة، وكان المتحدث الإعلامي باسم الحراك. وظلَّ يُعبّر عن رفضه لحالة التحزّب المسيطرة على المشهد الفلسطيني والتي عدّها صادرت اسم فلسطين، فقال: «لكم راياتكم ولي عَلَمي، ولكم أحزابكم ولي قضيتي!»[2]. وإلى جانب هذا النشاط، فقد كان كاتبًا، نشر نصوصه الأولى في مجلة فلسطين الشباب، وحازَ على الجائزة الأولى للمواد الكتابية في العدد 59 للمجلة (2011).  ونشرَ مقالاتٍ كثيرة، منها باسمه وأخرى بأسماء مُستعارة، لدواعٍ أمنية أو لاهتمامه بالفكرة أكثر من الظهور. كما أنّه شاعرٌ قرأَ قصائده للمرّة الأولى في «الجالري» بمدينته غزّة[3] ، وحَلمَ بطريقةٍ تُمكّنه من قراءة الشعر لكلِ الناس في غزّة[4] . ومع ذلك كان يرفض الوَصْفين، وإن جاز له القول كان يُسمّي نفسه مُدوّنًا.

«لا يمكن أن تبقّى كما أنت بعد الحرب، أقصد أنّك لمجرّد البقاء حيًّا؛ لا يعني ذلك أنّك نجوت!»[5] . ظلَّ محمد عالقًا في غزّة رغم غربته التي تجاوزت الثماني سنوات، ومُشتبكًا على الدوام مع هموم شعبه هناك، من قضايا الحروب والحصار وقمع الحريات والعنف ضدّ النساء، وكان يسخرُ دومًا من قيام السلطة الحاكمة بتوزيع تُهم «العمالة» على من يُخالفها الرأي. وفي المقابل، يرفضُ أي دعوات نحو السلام أو التعايش مع المُستعمر، لأنّ «كل مواطن إسرائيلي هو جندي في جيش الاحتلال بالأساس، حتى وإن كان يجلس على الشاطئ بملابس ملونة»[6] . ويُبارك المقاومة على الدوام – رغم أي اختلافات/ خلافات – ومع كل صاروخٍ يُهلّل: «المجد للأيادي التي تقذف النار في سماء الاحتلال»، آملًا بأنّه «يومًا ما ستنهض عظامٌ من أرضنا، الشهداء والأنبياء واللصوص والحمقى وعُمّال الشوارع والكلاب الضالة وحمير المزارع، بأكواعهم الحادة يكسرون كل خوذةٍ ويمزقون كل درع وبندقية. ثم يعودون لغفوة أطول؛ بلا ثأرٍ يؤرق مفاصلهم»[7] .

ولم تكن ثمّة حملة وطنية إلّا وشارك بها، كحملة «اهبد 194» الهادفة إلى تصدير السردية الفلسطينية إلى العالم بلغاتٍ مُختلفة، وحملة «يا عندي يا عند المنسق» التي هدفت إلى مقاطعة صفحة المنسق الإسرائيلي عبر الفايسبوك، وحملة «كلنا ولادك» التضامنية مع الأسير الفلسطيني الشيخ حسن يوسف. وكان ناشطًا ومُنظِّرًا في حراك «بدنا نعيش» (2019) بكتاباته، كأنه يقفُ في شارع الترنس بمعسكر جباليا، مُسترجعًا خبرته الاحتجاجية في التعامل مع القمع الأمني خلال حراك 15 آذار (2011). ولم يسلمَ شخصًا أو نظامًا يُطبّع مع الكيان الصهيوني من نقده، وكذلك لم يترك حدثًا يتطلّب التضامن إلّا وعبّر فيه عن دعمه لزملائه الصحافيين والناشطين، بل وقادَ حملاتٍ لمُناصرتهم.

وكان محمد مُنخرطًا في الفضاء العربي الأوسع، ويُبدي رأيه في القضايا العربية وكان مُثقفًا حقيقيًا في ذلك، يعي أهمية التمييز بين الاختلاف مع الحركات والإسلامية وفي الوقتِ ذاته ضرورة وحتمية «إعلان الاصطفاف غير المشروط مع حرية الشعوب وقدرتها على التغيير»، وردد مع المصريين «يسقط حكم العسكر»، وانتقدَ الماذاعنية في الخطاب الذكوري حول قضايا التحرّش في مصر، وكذلك سياسات النظام اللبناني الاستعلائية تجاه مواطنيه والعنصرية تجاه اللاجئين، وشارك في حملة «الأزرق لأجل السودان» التي انطلقت إثر مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في حزيران/ يونيو 2019 بالخرطوم، ونادى قبلها مع انطلاق الثورة السودانية في كانون الأول/ ديسمبر  2018 بضرورة حماية الثورة من خلال توثيق أحداثها ونشرها[8] .

اعتُقل محمد في غرفةِ تحقيقٍ بقطاع غزّة لعشر ساعاتٍ دون أن يعرف التهمة[9]  إثر حراك 15 أذار/ مارس 2011 لإنهاء الانقسام الفلسطيني، بل وهُدّدَ بالقتلِ بعد خطفه واحتجازه[10] ، لكن حين استضفتهُ في حواريةٍ نظّمها الصالون السياسي في معهد الدوحة للدراسات العليا تحت عنوان «الشباب ومحاولات التغيير: تجارب من قلب الحراك والثورة» (10 نوفمبر 2018)، وسألته بعد انتهاء اللقاء: لماذا لم تتحدث عن اعتقالك والعُنف الذي تعرّضت له خلال الحراك؟ ردَّ بأنّ كل ما يُمكن قوله سيستحيلُ رفاهًا أمام آلام السوريين الذين يشاركوننا القاعة والطريق نحو الحرية.

وبهذه الحصيلة من الاهتمام بالشأن الفلسطيني ومن ثمّ العربي، تمكّن من تأسيس منصّة مسبار بداية عام 2020، التي اتّسعت دائرة عملها لتصبح منصّة عالمية لفحص الحقائق وكشف الكذب والتضليل في الفضاء العمومي، وليس بالمتابعة الإعلامية فحسب، بل بإطارٍ نظريٍ موجه، فقد كان يؤكّد على أنّنا نعيشُ في عصر ما بعد الحقيقة Post truth، ويعي طرائق هندسة الرأي العام وصناعة الإجماع ودور الجيوش الإلكترونية في التضليل[11] ، كما أنّه بدأ نشاطه في التحقّق من الأخبار الزائفة والتنظير حول كشفها قبل تأسيسه لمسبار بحوالي ثلاث سنوات، وذلك عن طريق صفحته الشخصية عبر فايسبوك. ولم يكن الأمر تقنيًا بحتًا بعيدًا عن دوره كمثقف، ففي منشورٍ له وضّح كيفية صناعة الـ «الترند» والطريقة المُثلى لإيصال القصص الفلسطينية والعربية إلى العالم[12].

رُبّما يعكسُ هذا «البورتريه» صورةً لكيف ينبغي على المثقف أن يكون، فقد جمعَ محمد الشيخ يوسف ما بين المعرفة والاطلاع السياسي والثقافي، والنشاط الاجتماعي، والقدرة على استخدام اللغة والمُساهمة في صياغة خطاب نقديٍ واعٍ في النقاشات الفلسطينية والعربية، وما زال إرثه حاضرٌ، خصوصًا في منصّة «مسبار»، التي يُكمل فيها رفاقه المسيرة التي ابتدأها. لقد كان محمد الشيخ يوسف يُمارس دوره كمُثقف في النّسق اليومي، دون أن يحيط نفسه بهالةٍ وهمية من التكلّف والترفّع عن الهموم العامّة كما يفعلُ الكثيرون من مدّعي الفكر والثقافة، ودون أن يُصاحب دوره اهتمامٌ بالظهور وكرنفالية الفعل، بل كان يُفضّل الوقوف في الكواليس غالبًا ويعملُ بجدٍ، ليكون بذلك مُثقفًا حقًا دون صخبٍ.


[1] محمد الشيخ يوسف، «مذكرات 2008/2009»، فلسطين الشباب، العدد 81 (2013)، ص34.

[2] محمد الشيخ يوسف، «لكم راياتكم ولي عَلَمي»، فلسطين الشباب، العدد 59 (2011)، ص 17.

[3] «الجالري، أو القليل من الذكريات!»، أبو الشيخ | محمد الشيخ يوسف، 23/9/2012، شوهد في 3/10/2020، في: https://Bit.ly/33p4NCX

[4] «هذا ما حدث معي اليوم في مكانٍ ما!»، أبو الشيخ | محمد الشيخ يوسف، 16/5/2012، شوهد في 3/10/2020، في: https://B.ly/30uRIq2

[5] محمد الشيخ يوسف، «أن تبقى حيًّا، لا يعني أنّك نجوت»، فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة، 4/8/2016، شوهد في 3/10/2020، في: https://Bit.ly/2GpooKy

[6] محمد الشيخ يوسف، «هل قلتم إنسانية كونية؟»، العربي الجديد، 27/6/2016، شوهد في 3/10/2020، في: https://Bit.ly/2Gt3mdY

[7] محمد الشيخ يوسف، «يومًا ما..»، فايسبوك، 5/11/2018، شوهد في 8/10/2020، في: https://Bit.ly/2GOIvlc

[8] ممحمد الشيخ يوسف، «التوثيق ثم التوثيق ثم التوثيق»، فايسبوك، 24/12/2018، شوهد في 6/10/2020، في: https://Bit.ly/3ldHYIA

[9] محمد الشيخ يوسف، «عشر ساعات في غرفة تحقيق»، العربي الجديد، 2/11/2016، شوهد في 3/10/2020، في: https://Bit.ly/34j8Z6B

[10] محمد الشيخ يوسف، “ملعوبة! سيناريو مكرر وغير مقنع”، فايسبوك، 14/3/2019، شوهد في 6/10/2020، في: https://Bit.ly/3lgY2tB

[11] يُنظر: محمد الشيخ يوسف، “الجيوش الإلكترونية: اصطناع الإجماع وتسميم الفضاء العمومي”، مسبار، 19/5/2020، شوهد في 5/10/2020، في: https://Bit.ly/33z71ja

[12]  محمد الشيخ يوسف، “لماذا #أطفال_تايلاند وليس أطفال غزة وسوريا والعراق واليمن؟ (طول بالك واقرأ)”، فايسبوك، 12/7/2018، شوهد في 5/10/2020، في: https://Bit.ly/3jzotd8

المثقف والسياسة

فاتسلاف هافيل، يارا نصّار

زكريا محمد

مجلة 28

سؤال المُثقّف الفلسطيني: الرابط «العضوي» بين المُجتمع والسياسة

تمارا الطاهر
جارٍ التحميل