Image default
النكبة سلايدر

حُلم نكبوي (أيلول 1982)

فصل من رواية «بنت من شاتيلا» (عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2019)

الوقتُ ليل، والأزقة معتمة. تَسمعُ «الخالة» صوت طَرْق قوي وغامض قادم من جهة بيت أختها، تمشي مسرعة في العتمة وكأن الصوت يجرّها من يدها. يزداد الصوت توحّشًا كلما اقتربت، فتسرع أكثر. وصلت الباب. تفاجأت بأبيها الميت هناك، يحمل في يده مطرقة ثقيلة، ومسامير كبيرة، يثبّت بالمسامير ألوحًا متينة يغلق بها الباب.

تغلق الباب يا أبي! وكيف سأدخل إلى بيت أختي بَعد؟ سألته بحزن.

أجابها الأب المنهمك بالإغلاق قائلًا إن أحدًا لن يدخل من الباب بعد اليوم!

هجمت على الباب تضربه بقدمها تحاول فتحه، حتى نجحت في فتح فجوة صغيرة في أسفله قبل أن تصحو.

بالنسبة إليها، لا يحتاج الحلم إلى تفسير، فالحلم مكرّر: كان جدّها حضر إلى حلم أمها قبيل نكبة العام 1948، وأغلق باب بيت عائلته الممتدة، بألواح خشب ومسامير دقّها جيدًا، فأغلق البيت بعد تهجير أهله، وبقي مفتاحه معلقًا على جدران بدّلتها المنافي، وانتهى به الأمر إلى صندوق على سدّة في بيتها في المخيم.

***

«3»

«الخالة»

لو أنّ أم الحورية لم تُقتل في المجزرة، لتكرّر طويلًا مشهدها الصباحي مع أختها الكبرى والوحيدة «الخالة».

لا شرفة في بيت أم الحورية لتطل منها على أيّ مكان، لكنها اعتادت أن تصعد صباح كل يوم على سلم خشبي من حوش البيت البائس الصغير إلى سطحه كي تنشر غسيل أطفالها الكثيرين. جزء من سطح البيت مسقوف بالإسمنت على نحو مرتجل، فيما الباقي مسقوف بالزنك. تتوزع حبال الغسيل على المساحة الإسمنتية، ويفيض جزء منها ليتدلى على جسر حديدي يعلو الطريق ويتصل مع سطح البيوت في الجهة المقابلة.

كانت أم الحورية ما إن توشك على الانتهاء من نشر غسيلها حتى تطل أختها قادمة تمشي ببطء في زاروب تعلوه أسلاك كهربائية خطرة ومتشابكة، حاملة بعض بضاعتها من الأدوات المنزلية، ذاهبة إلى كشكها على طرف المخيم. تقف «الخالة» أمام الباب الخشبي، تتساقط عليها قطرات الماء الناعمة من ملابس الصغار. أحبت رائحة هذه القطرات دائمًا وأحسّت معها بالدفء على الرغم من برودتها، ولم تحاول تلاشيها كما يفعل المارّة في العادة، إذ يحنون رؤوسهم ويحثون الخطى.

تهبط «أم الحورية» من على السطح، تفتح الباب، وتجلس الأختان معا في الحوش الضيق على كرسيّين متهالكين متقابلين، إلى جانب حوض من النعناع، وشجرة ليمون، تشربان قهوة الصباح، تتحدثان في شؤونهما العاجلة، تخططان معًا لوجبة الغداء المتأخرة. في جلسة ما بعد العصر، تتحدثان أكثر حول أمورهما الأصعب وأحلامهما الأبعد، تمامًا كما يليق بامرأتين تعيشان على ذمة فدائيين غائبين.

تعيش «الخالة» على مهلها، وكأنها ستعيش إلى الأبد، فهي تمشي على نحو بطيء، وتأكل على نحو بطيء، كان هذا تحديدًا مفيدًا للصغار، إذ كانت الخالة تمضغ ببطء، وتؤخّر أكل حصتها من اللحم إلى نهاية الوجبة، تتذوق شيئًا منها، وتوزع الباقي لُقمًا عليهم.

لم تُشعر الصغار ولا أختها بأن ذلك كان من باب السخاء والإيثار والحبّ والشفقة، أكثر مما هو من باب الاكتفاء.

لكن ما منح الخالة دورًا مؤثرًا في مصير الأسرة، يعود إلى سبب آخر من طباعها، فهي مهووسة إلى حدّ كبير بتوزيع الأشياء، تخاف بسبب خبرات كارثية أن تفقد كل شيء مرّة واحدة، فتتخذ احتياطات منهكة تفاديًا لمخاطر لا تبدو واقعية دائمًا.

قد يتفهم المراقب توزيع نقودها القليلة ومصاغ زواجها على مخابئ عدّة، لكنها تبالغ عندما تخزّن الأغذية للحرب القادمة، وعندما توزع بضائعها، تترك قسمًا منها في الكشك الحديدي الّذي تغلقه بقفل إضافي، وقسمًا في زاوية في حوش بيت أختها، وتترك الجزء الأكبر في بيتها، فهي تذهب إلى المحل محملةً بالبضائع، وكذلك تعود.

 رائحة كارثة تحوم في سماء المخيم، وتتجوّل في أحلام اللاجئين. كان الموت وفق حدسها تحصيل حاصل، لكن ما أرادت تفاديه «موت الجميع»، أرادت أن ينجو أحد ما ليحمل السلالة والحكاية، إذ ترنّ في ذاكرتها دائما قصص مجازر كثيرة سابقة عادة ما تنتهي على شكل مَثَل: «فلم يبق منهم من يُذكّر»، وأنّ بعض الأسر نجا منها شخص بسبب عدم وجوده صدفة مع العائلة.

أرادت أن تدفع الصدفة – بكل ما أوتيت من قوّة – إلى مربّع الممكن.

رَجَت أختها الصغرى والوحيدة، في جلسة ما بعد العصر، قبل يومين من المجزرة، أن توزع الأطفال ليلًا على مرافق البيت. أرادت الخالة أن ينام أحد على أرضية المطبخ بالغ الصغر، وآخر في مخزن التموين الصغير، وثالث في الممر على مدخل المرحاض، والباقي في الغرفتين الصغيرتين، وتمنت لو تسمح أختها لواحد أو اثنين من الصغار بمصاحبتها إلى بيتها.

اعتادت أم الحورية أن تسخر من رعب الفقدان والانقراض المتأصل عند أختها، لكنها أحست بأن الرعب هذه المرة يحمل شيئًا من الوجاهة، فطلبت منها لأول مرّة منذ زمن طويل البقاء للنوم عندها. سرحت «الخالة» بعيدًا ورفضت، فهي لم تنم خارج البيت منذ فُقد زوجها، ولم تكفّ على الرغم من مرور السنين عن توقّع عودته في أي لحظة.

قالت «الخالة» لأختها إنّه حدث ونجا أشخاص لأنّهم تماوَتوا؛ كانت توحي لأختها بإمكانية التماوت من أجل البقاء.

وما لم تقله لأختها، هو إنّها تخاف أكثر ما تخاف من الاغتصاب، إذ أطالت أظافرها طيلة الحرب الأخيرة، واعتادت ارتداء بنطالين قبل النوم، لتجعل الأمر أكثر صعوبة، وهذا ما تفعله في هذه الليالي المخيفة.

كانت قبيل بدء المجزرة في بيت أختها. تعاملت بشراسة في موضوع التوزيع، فلم تغادر إلّا بعد أن أشرفت على تنفيذه. طلبت اصطحاب أحد معها، أصرّت الأم على الرفض، سمع واحد من الأطفال ما طلبته خالته، فلحق بها إلى الباب الخشبي، وانسلّ من بين يديّ أمه التي وقفت تودّع أختها، دون أن يثير ذهابه انتباه الإخوة الموَزعين.

وكانت المجزرة.

عرفت «الخالة» بحدوث شيء مريع من إشارات التقطتها عبر ثقوب في شباك بيتها المعتم، لكنها اختارت التمسّك بالصغير، لتعود بعد يومين إلى بيت أختها المنكوب.

رأت الحورية من بعيد خالتها وأخًا لها يمشي على قدمين، ولأنها لم تشهد ملابسات مغادرة الأخ، اعتقدت أنّ كل ما حدث كان مجرد مزحة، وأن الموتى بدؤوا يعودون.

كانت تلهو أمام بيت جيران ناجين قرروا استبقاءها حتى يجدوا لها حلًّا، وكان بعض النشطاء اهتدوا إليها كناجية وحيدة وقدّموها للصحافة كقصة مؤلمة.

ولأنّ حكاية الناجية الوحيدة أقلعت كقصة لامعة عن هول المجزرة، اختار الرواة لاحقًا التغاضي عن عودة الأخ.

قرّروا أن تظلّ ناجية وحيدة لضمان جودة الحبكة.

أرادت الحورية في البداية تصويب الجُملة الخاصة بها: «هناك أسر أبيدت بالكامل، وهناك أسرة أكثر حظًا نجت منها طفلة واحدة»، الّتي تنتهي برفع «ظل الراوي» لها عن الأرض من تحت إبطيها.

أرادت أن تقول إن أخًا لها نجا بفضل خالتها، وإن عودته صعقتها، حيث اعتقدت للحظات أن الجميع سيعودون، لكن سرد الكبار كان أشد اندفاعًا من أن يستوقف.

كانت في البداية نصيحة شخص موجوع ومتحمس: احملوها حتى يشاهدها الجميع، فالتقطها «الظل» فورًا، ورفعها، مدركًا أنّ هذا من الآن فصاعدًا دوره.

التحقت حورية وأخوها بالخالة الّتي عمدت إلى التناوب في العيش بين البيتين: بيتها، وبيت أختها المقتولة. أصرّت دائمًا على النوم وحيدة في بيت زوجها الغائب ليظل البيت مفتوحًا، وما تريده الآن ألّا يموت بيت أختها أيضًا.

اختلف معنى الكرسيّين المتهالكين في الحوش الصغير، مثل اختلاف معنى الأشياء كلها: الخزائن والملابس والأحذية وحبال الغسيل وحصص الطعام.

أطعمت «الخالة» الباب الّذي أغلقه الأب في حلمها لموقدة النار قطعة قطعة، كأنّه شريك في المجزرة، واستبدلته بآخر حديدي. لقد تغيّر معنى الباب بعد إبادة الأسرة، وصار مصدر شؤم. ولم تعد قطرات الغسيل تداعب وجهها. لقد مات الصغار، وماتت الحبال، ومات الغسيل.

استبدلت الباب، وعادت لتفسر حلمها المشؤوم على مقاس الأحداث اللاحقة له. كثيرًا ما قالت لمجايلاتها وهنّ يتحدثن ويلعنّ شارون ويدعين عليه بميتة بطيئة لا تشبهها ميتة: إنّها لو لم تكسر شيئًا من الباب الّذي أغلقه أبوها في حلمها لمات البيت كلّه، كانت الثغرة تعني نجاة الصغيرين.

صَبَرت «الخالة» على قسوة حياتها، لكنها كانت تفكر كثيرًا في ملابسات موتها، أرادت أن تُدفن بشكل لائق، وعلى وجه التحديد، كان من دواعي الرعب والحزن في وعيها أن يُنزل غريب المرأة إلى اللحّد، لكن وجود أبناء أختها بثّ فيها الطمأنينة من هذه الزاوية.

بعد المجزرة تشوّش موضوع الدفن كلّه، لقد هاجَ الموت وجرَف كل شيء وفككه: نسيج الحياة ومخيلة الموت.

إيلان بابيه: إسرائيل وفلسطين عام 2018: إنهاء الاستعمار وليس السلام

يارا نصّار

محطّات من الأغنية السياسيّة الفلسطينيّة

فايد بدارنة

إن كان ثمّة أمل: مُقاربة تاريخية للنكبة الفلسطينية

علاء أبو عامر
جارٍ التحميل