Image default
نصوص

النسخة الغامضة

لمى رمزي عابد -14 سنة

حزمتُ أمتعتي، ارتديتُ الحذاء الطويل، وبنطال الجينز خاصتي الّذي أحبه، أُفَضِّل السترة الزرقاء الّتي أمتلكها، تناولت زجاجة مياه، طعامًا، وأشيائي المحفزة، جميعها في الحقيبة. ودّعتُ الماضي ومشيت، من أين عليّ أن أبدأ؟ وضعتُ كلّ شيء إلى جنب، وبدّلتُ ملابسي، نظرتُ إلى الساعة تمضي أمامي:

تيك توك..  تيك توك.. دقيقة.. دقيقة أخرى.. ثلاث.

عدتُ وحزمتُ كل ما أملك، سقطتُ.. وقفتُ.. تعثرتُ..  ومن بعدها نهضت! أكلتُ الفاكهة اللذيذة المُفضّلة، والقليل من الشوكولاتة المحفزة. شعرتُ ببرودةٍ جعلتني أرتعش، قررتُ أن أستلقي على واحدة من تلك النجوم، وأن أتغطّى بأجملها، وأن أحلم بشيء رائع وهادئ. جلست تحت شجرة أفكر وأفكر، حتى نمت إلى ظهيرة ذلك الصباح الجميل وشمسه الحالمة. عدتُ أمشي ما هذا الصوت؟ إنّها معدتي. فتشتُ في الحقيبةِ ولم أجد شيئًا، لقد نفدَ كل شيء معي، أكلتُ بعض الثمر الّذي يعتلي الشجرة، أكملتُ طريقي حتّى الليل، رأيتُ ذلك الشيء من بعيد، شيء متوهج ركضتُ إليه كطفلٍ يرى أمه بعد غيابٍ طويل! نظرتُ إليه بتعابير وجهي، الّتي كلما أذكرها أقعُ على الأرضِ ضاحكةً على نفسي، كان غريبًا جدًا، ناصع البياض، يشبهُ كرة أتت من الفضاء، حاولتُ الإمساك به، لكنّه ازداد توهجًا فجعلني أغمض عيني، ومن ثم اختفى تاركًا مكانه ورقة، مكتوبًا فيها «ستفعلينها».

وضعتُها في جيبي وأكملتُ المسير، ذهبتُ إلى محطةِ القطار لرحلة البحث التالية، وقبل صعودي اشتريت الكثير من البسكويت وزجاجة مياه وشكولاتة ساخنة، وبينما كنت أشتري، رأيت فتاة تشتري الأشياء نفسها الّتي طلبتها. لم أهتم لها، وصعدتُ إلى الحافلة، جلستُ في المقعد الثالث، من الجهة اليمنى، أغلقتُ النافذة لأنّ الجو كان غايةً في البرودة، بدأت آكل البسكويت وأقرأ كتابي، أتت تلك الفتاة وجلست على المقعد الخالي الّذي بجانبي، وبدأت هي أيضًا تقرأ الكتاب نفسه، والصفحة ذاتها، وتأكل البسكويت أيضًا، لقد كانت ترتدي كل شيء مثلي، لم أكترث لها من شدة غيظي.

أغلقتُ كتابي، أغلقتْ كتابها.. أَكلتُ البسكويت، أَكلتْ بسكويتها.. نظرتُ للساعة.. نظرتْ لساعتها.. أوه ما هذا، جعلتني أشعر أنّها مرآتي! سأقولها للمرة الأخيرة لن أكترث لها.

وصلنا المحطة، أخذتُ تاكسي وذهبت للفندق، وحجزت في الغرفة الــ 46 الطابق السابع. سرير مريح، ثلاجة، تلفاز، كل شيء رائع وجيد! أخذتُ حمام ماء بارد، ارتديت ملابسي، ومن ثم استسلمت لنوم عميق. استيقظتُ الساعة الرابعة فجرًا، من حلمٍ غريب أجهلُ تفاصيله الصعبة، لكن كلّ ما أذكرهُ هو وجه تلك الفتاة الغريبة وهي تبتسم لي. فكرتُ لوهلة، وأنا أتحقق من الموضوع، لكنّي لم أجد شيئًا في النهاية.

أكملتُ رحلتي بالبحث عن نفسي، حيث قررتُ أن أسافر إلى إيطاليا غدًا، ولم يكن الغد عاديًا أبدًا، لقد كانت الفتاة تلك على مرمى حجر من الطائرة نفسها. تقدّمتُ نحوها، لكنّ مضيفة الطيران أجبرتني على الجلوس، لأنّنا على وشك الإقلاع. أخيرًا وصلت، اتصلتُ بصديقتي وأخبرتها أنّني أود الإقامة عندها ليومين، خلال فترة مكوثي في إيطاليا، أعطتني عنوان منزلها، وعندما وصلت إليها، وضعت حقيبتي على عجل، ثم اتجهنا إلى مطعم إيطالي مشهور، واشترينا البيتزا اللذيذة، والتقطنا الكثير الكثير من الصور، ونحن نضحك بصوت عالٍ، والهواء يضرب وجهي بقوة تحت برج بيزا المائل، لكنني وحينما كنّا نفعلُ ذلك، لاحظتُ وجودها وهي تفعل ذلك أيضًا، حيث كانت تلتقط الصور!

تقدمت بخطواتٍ هادئة نحوها، أخذتُ قراري. بدأتُ أسيرُ بخطى ثابتة، صارتْ أمامي وجهًا لوجه، التقتْ عينيّ بعينها، وما إن فتحت فمي لأتكلم، حتى اختفت تلك الفتاة من أمامي بسرعة مذهلة، صرتُ أجري، أحاول الإمساك بها، لا أمل، لقد اختفت، انتهى كل شيء. كل شيء بدأ فجأة وانتهى فجأة، أنا لا أزالُ أنتظرها لتتبعني، كل ما حدث سابقًا، أشعلَ في قلبي فضولًا وانتظارًا لا ينتهي.

طيش ديسمبر – روان يوسف

نادي بيت الأدب

أنا بنتُ نفسي

هلا الشروف

نخاع أبيض

مسلم يوسف
جارٍ التحميل