Image default
نصوص

منحدر الحكايات

المشي صعوداً باتجاه المطعم حيث تعمل ليس سهلاً، كون الشارع يرتفع إلى أعلى، إلا أن الهبوط منه، وإن كان بالطبع سهلاً، يذكرها بالمنحدر الذي تسبب في انزلاق والدتها وتجبير ساقها خلال زيارة للأردن، وبدلاً من أن يمكثوا هناك شهراً، مكثوا ثلاثة شهور. كانت وقتها في السادسة من عمرها.

الحقيقة أن جميع المنحدرات تذكرها بالمنحدر الذي أسقط والدتها في منطقة جبل عمان؛ كانوا يهبطونه ركضاً بسبب شدة انحداره، ويومها لم تتحكم والدتها بخطواتها (ركضتُ وبقية إخوتي لننادي خالي الذي أخذها إلى المستشفى.. الذكريات تعيد لي حبي لذلك الزمن، وتلك المنازل الجميلة الحجرية المليئة بالأشجار التي تعرش على كل شيء تصل إليه).

هنا أيضا في هذه العاصمة الكورية “سيؤول”؛ المنازل حجرية والنباتات تتسلق على كل شيء، لكن الغربة هنا تبدو أقسى من أي مكان سافرت إليه من قبل.

 ولا يذكرها هذا المنحدر بذكرى الانزلاق وحدها بل لقد أرجع لها بقوة عادتها القديمة في العدّ، ربما صعوبة الصعود والبطء يجعلها تعود إلى إدمانها الأبدي على العدّ خلال المشي.

(أعدّ كل شيء متجاور ومتشابه، الأحجار التي تشكل الجدران المحيطة بي؛ أدوار المباني، ونوافذها، وشرفاتها، السيارات الكورية التي تمر بسرعة شديدة، من الصعب رؤية سيارات ليست كورية الصنع هنا، وأبواب المحال المغلقة، عدُّ غير الكوريين الذي يمشون معي في الشارع، كم يبدو العدَّ تحرراً من المسافة والتعب).

في الماضي كان لديها هوس في العدّ، خاصة أن كل شيء في مدينتها القديمة كان متشابهاً، يبدو أن المدن كلما تقدمت يصبح إيجاد المتشابهات فيها أشد صعوبة، وهكذا هي كوريا الجنوبية على الرغم من أن الاعتقاد السائد والعنصري نوعا ما؛ بأن الكوريين يتشابهون، فلا أذكر أن عقلي أخذني لأعدّ الكوريين الذين يمشون بالشارع، ربما لأن السائد صعب عده.

(في مدينتي كنت أعد أبواب الخزانات داخل البيت، والبلاطات، والوسائد، ورفوف الثلاجة، أعدها، وأعيد العد، وأستمتع، وصلت إلى المطعم: طاولة، اثنتان، ثلاث، مقعد، إثنان، ثلاثة…)

–”سمر، وصلتي؟”

صوت الطباخ السوري الطيب أفاقها، وأجابته “نعم”، نظرت حولها متنفسة الصعداء أن صاحب المكان ليس موجوداً، دخلت المطبخ وألقت التحية على الطباخ، وانهال عليها بالشكوى كعادته فهو يفتقد مدينته مصياف بسوريا كثيراً، والطبيعة، ويسترسل بوصف “السيران” حيث يخرجون في نزهة بين الأشجار، يأكلون التبولة والمشاوي، ثم قاطعته “سنكمل بعد الدوام يا مصطفى، إذا وصل الوحش سيعاقبنا”.

 بدأت تحضر الموائد، المطعم، ليس كبيرا والمطبخ يقع في نهايته يفصله عن الصالة فتحة بحجم الباب لكنها مغطية بستائر من الخرز الملون الذي يصدر صوتاً بمجرد اهتزازه ما يجعل المطعم يبدو هندياُ وليس شامياً.

فتحت أغنية فيروز “حبيتك في الصيف، نطرتك في الشتي”، وبدأت معنوياتها ترتفع مع رائحة الأرز والدجاج المطهو، استعداداً لطلبات خارجية.

 دخل صاحب المكان، كعاصفة، متوجهاً إلى جهاز الكمبيوتر عند طاولة المحاسبة صارخاً:

_”ليش فتحت فيروز، قلت لك من قبل صوتها يقطع الرزق، ولما تشغلي اسطوانتها ولا زبون بيدخل المطعم”، ثم بعصبية يشغل أسطوانة لعبد المجيد عبدالله ” الله ما أكبر غلاك.. يكبر في حبك فؤادي”..

– “فيروز حب وخير، ما عندك ذوق”.

(نظر لي شزراً، كما لو أنه يريد أن يرميني بسكين، شعرت أننا في سيرك، وأضع تفاحة على رأسي كي يصيبها، مع فارق أنه يجب أن يلعب رياضة ويخسر وزنا كي يصوب بطريقة صحيحة دون أن تنحرف السكين وتصيب حلقي، ولكن هذا ما يريده!).

بدأ الزبائن يدخلون المطعم، أغلبهم من السعودية فهم يبحثون عن أطباق اللحوم المذبوحة على الطريقة الحلال. تنقل ما يطلبه الزبائن بين المطبخ والطاولات وبالعكس حين ينتهون؛ “حمص، بابا غنوج، دجاج بالزبادي، مشاوي، وخبز بيتي”، تستمع لنقاشات سياسية هنا وهناك، وتجبر نفسها على إغلاق فمها، كي لا تتدخل، فقد حذرها صاحب المطعم من قبل:

 _”ممنوع تناقشي الزبائن، هربوا منك، كل ما تروحي طاولة تدخلي بالنقاش عن بشار الأسد، ومحمود عباس وخالد مشعل والربيع العربي.. شو بدك فيهم”.

– “حين أسمع عبارات مثل الربيع العربي بأنها مؤامرة عملاء وجواسيس، لازم أرد، أنا من جيل الثورات، لازم أرد عليه أفضل ما أسكب الشاي في حضنه”.

– “جيل الثورات قال.. هاهاها، قسما بالله ما بعرف كيف قبلت تشتغلي عندي، قلت في عقلي بنت مسكينة، وحيدة ما عندها أهل، إذا مرة ثانية سمعتك بتناقشي أحد، ما ترجعي على المطعم”.

بالفعل كانت وحيدة، وتحتاج هذا المبلغ في نهاية كل أسبوع إذ تسافر ساعتين بالحافلة بعيداً عن مدينتها الجامعية كي تصل إلى المطعم، (أقضي الليل إما مستيقظة في ماكدونالدز فهو الوحيد الذي لا يغلق أبوابه حتى الفجر، أو في حمام الساونا النسائي المنفصل عن قسم الرجال، لكن المشكلة أن الجو هناك خانق وحار، فالنوم في أي زاوية كما لو كنت في فرن، لكن يبقى أفضل من البرد القارص في الخارج).

غادر الزبائن، وقد كانت مرهقة، وحيادية كما يليق بنادلة، نظفت الطاولات وساعدت الطباخ  في تنظيف المطبخ، أخذت حسابها من صاحب المكان، وغادرت، نزلت عن المنحدر الحجري ذاته، ورجعت للعد، (مطعم، مطعمان.. جندي.. جنديان، ثلاثة)، على هذا المنحدر تكثر المطاعم الشرق أوسطية، كما يكثر الجنود الأمريكان، وأحياناً يتنقلون في زيهم العسكري، فالقاعدة العسكرية الأمريكية ملاصقة لهذا الشارع في منطقة إيتوان التي يعيش بها أشخاص من جميع الجنسيات من العالم، وقد تكون البقعة الأكثر “كوزموبوليتان” في آسيا.

 إلا أن الأمريكان هم المفضلون لدى الكوريين، كما أن لغتهم الإنجليزية تلقى إقبالاً كبيراً لتعلمها من قبل الأجيال الجديدة، وكذلك الأمر أيضاً بالنسبة للإقبال على اعتناق المسيحية، فكوريا واحدة من أكبر بلاد العالم في نشاطات الدعوة التبشيرية وإهمال البوذية التي اقتصرت لتكون واجهة سياحية، يبدو أن هذه كلفة مساعدة أمريكا لهم في الحرب الأهلية مع كوريا الشمالية خلال خمسينات القرن الماضي.

(لا أدري لماذا أحب تحليل ظواهر هذه البلد، أريد أن أنهي منحتي التعليمية في الأدب، وأغادر بأقصى ما أستطيع، إن البلد باردة وقاسية وشديدة الاختلاف، ربما هكذا تكون الدول ذات الجذور القوية، يصبح الاندماج فيها أصعب مقارنة بالبلاد الجديدة، وصلتُ إلى ماكدونالدز، أعيد العد من جديد وأنا أنتظر في طابور الطلبات كزبونة هذه المرة.. طاقية، طاقيتان، ثلاث.. كوب، كوبان، ثلاثة، أربعة، خمسة..)

تعيد العد، لتغيب عن الذاكرة القاتلة التي تأخذها إلى بلادها حيث لا يوجد ماكدونالدز أو منحدرات أو أمريكان، أو حتى هذه الرؤوس والعيون واللهجات؛ تفتقد مدينتها العادية التي لا تكون فيها نكرة، كما هي هذه البلاد التي لا يعرف أحد فيها الآخر.

تشرب قهوتها وتأكل فطيرة التفاح المفضلة لديها، تراقب الناس حولها، يبدو ذاك الأفريقي كئيباً، وهو أمر غير مستغرب، فالبشرة السوداء هنا تثير انتباهاً عجيباً، حين كانت تمشي في المدينة مع صديقتها الأفريقية من “جوهانسبرغ” والتي تدرس معها في الجامعة، يقف الكوريون لينظروا إليها، كان أمراً جنونياً ما يجعلها تصرخ بهم “هل تريدون صورة معي؟”.

 (أبحث في حقيبتي عن قلم وورقة، لأخط رسالة جديدة كما أفعل في نهاية كل أسبوع حين آتي إلى إيتوان، فهكذا أقضي الليل، أشرح لذاك الرجل الذي أحببته منذ الأسبوع الأول الذي وصلت فيه هنا، كيف تبدو أيامي من دونه حين اختلفنا في الأفكار والمبادئ، وتناسينا بعضنا بعد شهرين، لأبقى في المدينة طوال سنين المنحة دونه، لكن على حبه وصدف اللقاء النادرة، فأكتب الرسائل الأسبوعية ثم أمررها من تحت باب منزله عند الفجر، حيث يقع بالقرب من محطة الحافلات التي أعود منها إلى جامعتي).

هذا الأسبوع ومن على طاولة ماكدونالدز كتبت:

 “عزيزي عبد الملك، هل تذكر ذاك المنحدر الذي صعدناه مراراً ونحن نضحك أو نتجادل ثم تتركني قبل أن أصل إلى باب المطعم لأنك تكره صاحبه الذي يكره بدوره فيروز، اليوم هذا المنحدر ذكرني حين انزلقت والدتي في طفولتي على منحدر مشابه في الأردن ونحن الستة حولها مثل الكتاكيت وعلى يدها أصغر أشقائي الذي يعيش اليوم في ألمانيا، الحقيقة أن كل الكتاكيت تفرقت، وأصبح الاجتماع حول والدتي أمنية مستحيلة، فأنا في كوريا واخوتي في دول أوروبا، لكن أليس هذا حالنا كلنا بعد الربيع العربي، الذي كنت تصلي أن يبدأ في بلدك لكنه لم يحدث أبداً، المهم يا عزيزي لنعد إلى المنحدر، فمنذ أن تركتني أو تركتك، لا أعرف بالضبط كيف تركنا بعضنا، لكن آخر ما أذكره عناقنا عند تلك البحيرة قبل أن تعلق أني أدخن كالمبتدئين. منذ تلك البحيرة وبما أنني أصبحت أصعد وانزل المنحدر لوحدي، فقد رجعت لإدمان قديم، شيء أقوى من السجائر إنه العدّ، أعد كل شيء حولي يا عبد الملك، لو كنت معي في الجامعة وتسمعني سيجن جنونك فأنا أعد الكتب، والأقلام، والطلبة، وكل ما هو متواتر ومكرر حتى عدد المرات التي يطبق فيها المحاضر شفتيه، ثم أعود إلى غرفتي الصغيرة بعد يوم طويل من محاضرات في الأدب الكوري، وأعيد العد، خطوة.. اثنتان.. ثلاث.. أربع.. وأنسى أنك شاركتني جنوني وركضت معي ذات مرة على المنحدر ولم نقع أو تكسر سيقاننا، ولا أذكر يوماً أنني عددّت وأنت بصحبتي، لكني رأيتك مؤخراً في المطعم المغربي دون أن تراني، كانت ساقك مكسورة وممدة أمامك،  لا أعرف ماذا حدث لك، بالتأكيد ليس من المنحدر، فأنت لا تكون مجنوناً سوى معي، كانت تجلسُ إلى جانبك كورية جميلة، كما تعرف باب المطعم المغربي مزخرف بالفسيفساء، فغالبا لا تلمحني لكنني رأيتك من الخارج، برجل مكسورة وامرأة جميلة إلى جانبك!

 ترى هل المنحدر من ذكرني بساق والدتي أم ساقك؟، هل أعاد ألم فقدك عادتي القديمة، أم أن العدّ أبعد عني الألم وتعب المنحدر.. سلامتك، لن أراك قريباً”.

لم يراسلها عبد الملك يوماً، لم يرد عليها، لم ينتظرها عند بابه حيث تضع رسائلها، لكن بمجرد أن وصلت إلى وطنها حيث لا منحدرات، أرسل لها “إيميل” فيه عبارة واحدة: “الشمس غابت من بعدك”!.

نُشرت هذه المادة في العدد 14 من مجلة 28 – لقراءة كامل العدد وتحميله

لنا حزنُنا الصفيقُ

عثمان حسين

طيش ديسمبر – روان يوسف

نادي بيت الأدب

المجهول

حسام معروف
جارٍ التحميل