Image default
سلايدر مساحة مسرح

نافذة على عالم الكاتب والمخرج المسرحي عبد الفتاح شحادة

الفنون، صنيعة الإنسان الخالدة تلك التي تبقى شاهدة عليه والتي يورثها للأجيال لتبنى عليها حضارة متكاملة تقول بعض أو كل شيء عن معاش أهلها وفلسفتهم وطموحاتهم ومآلاتهم وما تتناوله الفنون من أنواع الظروف التي عاشوا فيها وتغلبوا عليها أو غلَبتهم، والمعروف أن المسرح يتربع على عرش الفنون الأدائية القائمة على تأدية الشخصيات المختلفة لأدوارها فيما لو كان العرض قائما على عدة شخصيات وقد يكون العرض فرديا فيما يسمى المونودراما فيكون مرتكزاً على شخص وشخصية واحدة مكثفة وفارقة وهذا ربما من أصعب ما قد يقدمه المسرحي،  يرتكز المسرح على أرضية مهمة يغذيها النص المسرحي والشعري وأحيانا الموسيقي وما قد تحتويه من أغنيات ويكملها الديكور والفن التشكيلي والأزياء التي تعبر دوما عن المحتوى الذي تريد المسرحية أن تعبر عنه وتقوله كل ذلك يتكامل معا بشكل يجعل من المسرح أبو الفنون حقاً.

اخترت في هذا العدد أن أغوص في عوالم الكاتب والمخرج والممثل عبد الفتاح شحادة، الذي ما زال يتنقل بين الفنون المختلفة ليعبر عن ذاته وعن تطلعاته الإنسانية والمجتمعية وأحيانا السياسية.

-أين ذهب الشاعر عبد الفتاح شحادة؟

الشعر الذي كتبناه ذات يوم وعشنا معه كثير من التفاصيل ولم نعرف عنه الكثير رغم كل ماعرفناه، بات بالنسبة لي وعيا بالذات حاجة ما أقترفها وقتما شعرت بالحاجة لها، لم اهجره ولم يهجرني يوما بقدر ما شعرت انني اريد مساحة اضافية خارج سياق القصيدة لا اقول ما اريد، وفي النهاية الشعر لا يكفي ليس لانه كذلك بل لاننا نشعر احيانا ان رغبتنا بالانطلاق تحتاج كتابة اخرى.. معظم الشعراء لم يكتفوا بالشعر، محمود درويش كتب مذكراته، حسين البرغوثي كتب المسرحة والسيرة والقصة والرواية، جبرا ابراهيم جبرا خاض في انواع الادب والفن والشعر… انها حالة يصعب تفسيرها.

-هل هجرت كتابة الشعر وانغمست في المسرح بالكامل؟، هل شعرت مثلا باللاجدوى من الشاعر وعالمه النخبوي والمحدود، فقررت الدخول إلى عالم الاحتكاك بالجمهور والذائقة العامة؟

لا يمكنني ان اهجر الشعر ليس الامر منوطا بقرار واعي تماما الفكرة تتعلق بلحظة الكتابة وحسب مع القليل من الوعي بنوع الكتابة. غالبا ياتي الشعر لقول اشياء غريبة حتى انا بالكاد استطيع فهم تفاصيلها.

فقط الدور الذي نلعبه في الحياة ينعكس على شكل النص.

– متى يظهر الشاعر في عالمك المسرحي؟

تجربتي الشعرية اغنت النص المسرحي لدي وامدته بلغة وشكل ومعالجة. في بداية كتابتي للنص المسرحي كثيرا ما كنت اصطدم مع المخرج المنفذ للعمل، حول بعض الاحداث أو الشخصيات في النص، وكثيرا ما جعلتني اكتب بشكل لا يروق للبعض واحيانا يدهشهم.

ربما الاغنية كانت واحد من اشكال الشعر التي ظهرت في النص المسرحي لدي بجنونها وعبثيتها، فأنا أحب الاغنية في النص المسرحي واحب شخصية الشاعر في نصي المسرحي.

– كيف اكتشفت شغفك بالمسرح؟ ومتى كان الدخول الأول تحت أضوائه ومتى صرت مؤلفا ومن ثم مخرجا تحرك الأحداث والانفعالات خلف كواليسه؟

تجربة المسرح معي كانت متوازية مع تجربة الكتابة الشعرية ولكن فقط لأن المسرح يحتاج لمكان وامكانيات وفريق تأخرت الكتابات والاعمال في الظهور لانها بحاجة الى معطيات اخرى اكثر من ورقة وقلم فهي بحاجة لتجربة حياتية ودرامية اكثر.

كانت بداية عملي في المسرح مع الاصدقاء في خانيونس كنا ما نزال اطفالاً لكننا قدمنا يومها مسرحية كليلة ودمنة لمعين بسيسو ومسرحية القنديل الصغير لغسان كنفاني واعمال اخرى استغرب اليوم كيف تجرأنا على تنفيذها ونحن في سن لا يتجاوز السادسة عشر، كيف تعاطينا مع معنى النص ولغته واحداثه. اسجل هنا دور مؤسسة تامر وجمعية الثقافة والفكر الحر في المركز الثقافي تحديدا التي كانت حاضنة حقيقية لنا في مدينة بسيطة وبائسة مثل خانيونس.

– كيف يبدو لك التعامل مع الممثلين، هل يبدو عملا  شاقاً أم ممتعا كل ذلك الاحتكاك أو التصادم بالأمزجة واختلاف النفوس؟ هل تعد ذلك نعمة أم نقمة؟

انا احب الممثلين لان الممثل هو فنان يقدم جسده ومشاعره مباشرة للجمهور يهان ويسقط ويفرح ويموت من اجل الجمهور، لذلك احبهم بعمق هذا الحب يجعل من الفريق مؤمنا بالنص والمخرج والفكرة ويجعله يتوحد مع العمل في كافة الظروف المسرح يجب ان يبنى على اساس علاقة وطيدة بين الفريق، فهم يرون اسوأ وأجمل ما في بعضهم البعض، البروفات مساحات للتعبير عن الذات.

النص لدي مبني بشكل كبير على ما يمكن ان يطرحه الممثلون من مشاعر وافكار وهم جزء حتى من اعادة الكتابة ولا يمكن انتاج المسرحية دون العراك مع النص وشخوصه (الممثلين فيما بعد) نحن بحاجة لفهم الممثل ومشاعره وتفاعله مع النص بشكل قوي من اجل انتاج عمل جميل.

– كيف تجد الممثلين في غزة، هل يمكن اعتبارهم موهوبين من طراز جيد؟

احبهم جميعاً فهم يخوضون غمار الفن في ظروف قاهرة ومؤلمة انا اطلب من الممثل نسيان كل شيء وقت العمل وهذا مؤلم وصعب تحديدا في غزة. مؤلم جدا ان تعمل تحت ظروف نفسية قاهرة ويكون مطلوب منك احيانا ان تؤدي دورا ومشاعر مختلفة عن تلك التي تعتصر قلبك، هذا يشبه ان تطلب من خشبة الطيران. لك ان تتصوري ذلك.. ورغم ذلك انهم يطيرون ويرفرفون في السماء السابعة.

– كيف تصف كتابة المسرح، ووقت تحضير العمل للعرض «البروفات» وكيف تبدو من الداخل في وقت العرض ؟

وقت العرض يا هند تماماً يشبهك عندما تقبلين على قراءة قصيدة. باختصار انا قبل العرض لا انام ولا استطيع ان افكر بشيء خارج العرض، وهكذا الفريق الذي ينتج عملاً يحبه. انه وقت لقاء الجمهور الذي عمل الجميع عليه بصدق وقت الحصاد يا عزيزتي فرصة الاحتفال او السقوط اذكر مرة واحدة خرجت بعد العرض وكنت حزيناً تماماً. يومها عرفت ان العمل هو ابن حقيقي من اصلابنا ومن دمنا نحن ننتمي اليه حتى النخاع.

– ما أهم إنجازاتك المسرحية والتي تعتبر أنها علامة فارقة في مسيرتك كمؤلف ومخرج لهذا الفن التاريخي؟

أجمل الاعمال لم تكتب بعد وكل ما سبق مجموعة من الاخفاقات يا هند.. لاشيء اكثر.

– هل تفضل استخدام أدوات معاصرة في أعمالك المسرحية من حيث اللغة والأدوات والديكور، أم أن ذلك يعتمد على النص ومرتبط بالإمكانيات المالية؟ هل هناك عوائق حقيقية تواجهها في إنجاز العروض؟

هناك مليون عائق ولكن بالنسبة لي العوائق هي التي تجعل من الفن شيء يستحق ان يشاهد. وهذا لا يعني ان نصطنعها ولكن يعني ان لا نخشاها مطلقاً. مرات كثيرة كان ينسحب ممثل في اللحظات الحرجة لا اعرف كيف كان يعمل عقلي وقتها، فاقوم بضغط الجميع يجب ان يكون خروج هذه الشخصية رافعةً للعمل، فليمت الجميع ويعيش العرض.

– هل يقبل الجمهور على المسرح وهل يرضيك الحضور في عروضك المسرحية؟ متى – في أي عرض مسرحي-  فاق الجمهور توقعاتك في الحضور ؟

الجمهور في غزة جميل وحضوره دافئ. غالبا العرض الافتتاحي يكون فوق المتوقع من حيث عدد الحضور، ولكن بعد العرض الخامس نشعر اننا نفتقد لوجود الازدحام في مدرجات المسرح.

الجمهور هو وقود الممثل وهذا معروف لدى الجميع لكننا في المسرح نعرض حتى لو لشخص واحد، فوقت العرض مقدس لا يمكن التخلي عنه مهما قل العدد.

– كيف تقيم المسرح الفلسطيني عموما وكيف تجده في غزة؟

انا لم يحالفني الحظ في الخروج من غزة الى الضفة او الداخل في اطار عملي في المسرح، ولكن هناك اعمال فلسطينية تعتبر عظيمة وجميلة في الضفة والداخل وغزة ايضاً لا يمكنني تقييم الحالة الفنية اجمالاً، ولكن المسرح في غزة يتطور وهناك اجيال جديدة مؤمنة بأهمية هذا الفن وتحبه وهذا يبشر بخير.

– هل هناك شخص خاص  يطلع على نصوصك قبل أن تقرر تقديمها للجمهور وتشاركه الأفكار ولحظات الإضاءة  قبل الكتابة أو أثناءها؟ هل تعتبر ذلك ضروريا للكاتب بشكل عام، أقصد وجود قاريء أول أو مستشار إن صح التعبير! ؟

انا احب ان اقرأ لزوجتي.. كل ما اكتب رغم ان مزاجها مختلف واحب ان يقرا لي الاصدقاء ولكن غالبا لا يوجد وقت للالتقاء والنقاش لكنني احب ذلك وارحب به واعتبره هام من اجل تطوير التجربة، فنحن بعد فترة من الكتابة نصاب بعمى لا يمكن الشفاء منه بدون قارئ جميل.

– هل تشتاق للشعر؟

لم ينفك ذلك الشعور يعاودني كلما هممت بكتابة كلمة.

– هل بدأت في كتابة عملك المسرحي القادم؟

اعكف على كتابة عمل جديد هذه الايام، هو مونو دراما ربما استطيع ان اقوم بتنفيذها ايضاً، الافكار لا تتوقف ولكن متى تنضج لا نعرف.

– هل يبدو لك العالم مكانا يستحق ما يبذله فيه الباذلون على طريق الفنون بشكل خاص، طالما أنه  ما زال يمارس كل ذلك التدمير، أخبرني ماذا ينقص هذا العالم ليبدو أفضل بالنسبة لك ؟

لا شيء ينقص هذا العالم انه هكذا مكتمل، فقط تتغير مناطق النزاع وتصعد الحضارات وتسقط ويعاد بناء المفاهيم ويجري الوقت. لن يصبح العالم مثاليا ابدا، ولكن فقط يمكن النظر الى العالم على ان موازينه تتغير بفعل الفن والثقافة والابداع، وبدون الابداع يبقى العالم ساكنا وهذا ضد قوانين الطبيعة.

نُشرت هذه المادة في العدد 14 من مجلة 28 – لقراءة كامل العدد وتحميله

الغناء تنهديتنا في هذه الحرب

ليالي درويش

MC GAZA وخطواته الخمس وعشرين

رائد اشنيورة

لنا حزنُنا الصفيقُ

عثمان حسين
جارٍ التحميل