Image default
فصل من كتاب

اسمه سيد

من سرديات «سوبر نميمة»


تعرّفتُ إلى سيّد محمود قبل سنوات طويلة. قدّمتهُ إليّ كتاباته في صحيفة «الحياة»، ومقالاته المسبوقة بـ: «القاهرة: من سيّد محمود»
ما كان يكتبه سيّد، أسّس لعلاقة بيننا، ظلّت افتراضيّة قبل إطلاق الفيس بوك، ووسائل التواصل الاجتماعيّ الأخرى، وتكاثر الصّداقات العابرة للحدود والفضاءات، الّتي لا تحطّ على الأرض إلّا نادرًا، إلى أن التقينا في القاهرة على هامش معرض الكتاب الدّوليّ سنة 2010، أمام مدخل «المقهى الثّقافيّ». لا أتذكّر ذلك. لا أعرف كيف رتّبنا له. لكن سيّد أسعفني. فهو صاحب ذاكرة قويّة. استفسرته عن ذلك اللقاء، فكتب يقول إنّنا التقينا فعلًا، أمام المقهى في وجود الرّوائيّة المصريّة الصّديقة المشتركة منصورة عزّ الدّين. قال إنّها اتّصلت به، وأبلغته رغبتي في التّواصل مع الكتّاب المصريّين. لكنّ اللّقاء لم يتمّ. ففي ذلك اليوم، 27 يناير 2016، رزق سيّد محمود بـ «وليّ العهد» حسن، فالتقينا في اليوم التّالي، وباركنا له وأمضينا وقتًا طيّبًا.
لقائي الثّاني مع سيّد كان في أبو ظبي، في مارس (آذار) 2010، أثناء المشاركة في الاحتفالات الّتي أقامتها الأمانة العامّة للبوكر، لتسليم جوائز الفائزين السّتّة في القائمة القصيرة وإعلان الفائز الأوّل (وكانت روايتي «السّيّدة من تل – أبيب» ضمن القائمة). جمعني وسيّد أكثر من لقاء وغداء وندوة. وكانت منصورة عز الدّين حاضرة معظم الوقت، فقد كانت روايتها «وراء الفردوس» ضمن القائمة القصيرة أيضًا، بالإضافة إلى رواية السّعوديّ عبده خال «ترمي بشرر»، الّذي فاز بالجائزة في دورة ذلك العام، وظنّته أمّي، بسبب جنسيّته، صاحب بئر نفطيّ.
وسيّد شاب، تتجاوز سمرّته حنطيّة القمح المحصود حديثًا إلى لون المحمّص منه. تعيدنا ملامحه إلى بقايا فرعونيّة بمسحة فلّاحيّة. دمث، وخلوق، وابن بلد، وصاحبّ نكتة. باختصار، سيّد كما عرفته، كان نموذجًا للمثقّف المصريّ الّذي يلمّ حوله مشاعر العرب الآخرين، من عواصمهم وفيها.
لكنّي عرفت أيضًا، وحيد الطويلة، صاحب الرائعتين «باب الليل» و»حذاء فيلليني»، رئيس المنظمة العربية للمقاهي كما يطلق على نفسه مازحًا. عرفته ساردًا متميّزًا، «مايسترو» يقود أوركسترا من عناصر السرد. نموذج مختلف. صورة أخرى للمثقّف المصري ابن البلد، المتعدد المواهب: المصري، الفلسطيني، التونسي، الذي كثيرًا ما تضيع منه لهجته، أو يضيّعها لكي يقترب منك أكثر، أو يصبحك أنت في لحظة تجلّ حميمة.
ووحيد شخصيّة «استثنائيّة» بمعنى ما أقصده. فهو يجمع المثقفين العرب أيضًا. لكنه يلمّهم من «مقاهي الصداقة»، والنصوص الشعرية والسردية، وأشكال الكتابة الأخرى، بالمصريين في «قعدة الجمعة»، حول شيشة، وشاي بالنّعناع، وحوارات دافئة غنيّة، وبثّ مباشر على صفحته في فيسبوك، في صباحات «قاهريّة»، بنكهة أم الدنيا وملامح «حرافيش» المايسترو، الذين يتبدلون في مواسم الثقافة ومناسباتها، فيما تواصل «القعدة» قعدتها في جمعتها، ولا تبدّل ملامحها.
مشيتُ وسيّد محمود نحو خيمة «سوق الأزبكيّة» في معرض الكتاب في القاهرة (يناير 2016)، حيث تباع الصّحف والكتب القديمة والنّادرة بأرخص الأثمان. وجدتني فجأة، في جناح أوّل معرض دوليّ يبيع كتبًا مزوّرة علنًا وعلى الرّصيف:

  • «شفت روايتك في سور الأزبكيّة.. فيه أكثر من ميت نسخة مزوّرة معروضة علنًا». قال لي شابّ يعمل في جناح «المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر».

أطلقتُ ضحكًا طويلًا ساخرًا، وأخفيتُ غضبًا قليلًا. ثمّ لملمت ضحكي وما ينطوي عليه من قلق، وركضت نحو خيمة السّوق القريبة. وقفت للحظات أبحث عن روايتي بين صفوف الكتب المتنوّعة، المكدّسة على مساحة تكفي لجناح دار نشر. بعثت لهفتي تبحث لي عن «مصائري» المزوّرة. عن شخصيّات مستنسخة كأنّها ليست من خلقي الخاصّ. عن سهر كأنّني لم أسهره. عن عرق لم يبّلل أيّامي ولياليّ وسفري المتعدّد إلى فلسطين لزيارة شخصيّاتي، وإقامة علاقة فنّيّة معها.
تناولت نسخة من إحدى مجموعتين من «مصائر»، ترتفعان فوق الرّصيف مسافة نصف متر تقريبًا. ودفعت ثمنها: عشرون جنيهًا فقط. كانت النّسخة من «مصائر»، تباع في أيّ من جناحي ناشريَّ في المعرض: «المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر»، و«مكتبة كلّ شي»، بثمانين جنيهًا. فهجر جناحيهما غالبيّة القرّاء المصريّين، مثلمّا هجروا أجنحة دور النّشر العربيّة الأخرى، وقاطعوها بحبّ، ما اضطرّ عدد كبير منها إلى عدم المشاركة في المعرض التّالي في يناير 2017.
عُدتُ بنسختي المزوّرة إلى جناح المؤسّسة العربيّة، ولوّحت بها في وجه ناشري الأوّل، ماهر كيّالي: «والله يابو العبد طابعين الرّواية أحسن منَّك!».
اختطف ماهر النّسخة من يدي وقلّبها، بينما أراقب الخسارة تنافس النّكد في فضح انفعالاته على ملامحه: «يخرب بيتهم ما بِستحوا (لا يخجلون)!». هكذا قال.
في الطّريق بين «المقهي الثّقافيّ»، الّذي غادرته ويدي بيد سيّد محمود وخيمة «سور الأزبكيّة»، سألت سيّد عمّا قرأه من روايات القائمة الطّويلة للبوكر. كنت متلهفا لمعرفة رأيه في «مصائر»، من دون أن أُشعِره بأنّني أعرف إنّه عضو في لجنة التّحكيم. طنّشت معلومات كشفها موقع إلكترونيّ نشر أسماء ثلاثة ادّعى إنهم أعضاء في لجنة التّحكيم. ولم أسقط من حسابي أن يكون سيّد قد اطّلع عليها، أو علم بها على الأقل. كنت أريد رأيه الشّخصيّ هو كسيّد، وليس كعضو لجنة تحكيم.
«آه طبعًا يا ربعي آه.. قريت كم رواية منهم.. عطارد رواية كويّسة، ورواية شهلة كمان…إنت عارف إنّه..» وتوقّف سيّد، وأوقف لسانه عند الكلمة الأخيرة استعدادًا للهرب من السؤال: «تعال يا ربعي. تعال بس.. تعال أمّا أوّري لك حاجات ما بتخطرش ع بالك.. حاجات هايلة فعلًا.. بُصْ.. فاكر الكواكب.. بُصْ أهِه م الخمسينات، و(حواء) وآدي (الإثنين) يا سيدي، وآخر ساعة.. فاكرهم؟ أكيد فاكرهم طبعًا.. دي ثروة هايلة جدًّا؟»
استوقفتني «آخر ساعة» من دون الصّحف والمجلّات الأخرى. أخذتني إلى أبي الّذي رحل عام 1960 وأعادته إليّ. نادرًا ما كان أبي يطلب مجلّة فنّيّة كتلك المجلّات الّتي استعرضها سيّد أمامي. لكنّه كان مواظبًا على قراءة «آخر ساعة»، خصوصًا في الفترة الّتي أمضاها في مستشفى البريج للأمراض الصّدريّة (وسط قطاع غزّة)، بعد إصابته بمرض السّلّ الّذي استوطن صدره تسع سنوات، قتله بعدها.
كنتُ صبيًّا أفرح لمجلّة «آخر ساعة»، وأعلن فرحي على أصدقّائي في حارتنا في مخيّم خان يونس للّاجئين: «رايح أشتري مجلّة لأبويَ». أفاخر نفسي بي، بأبي، بثقافته، بتميّزه. لم يكن في مخيّمنا من يقرأ مجلّة، أو قادرًا على شرائها، أو معنيًا بها لو توفّر له ثمنها. كان رجال المخيّم «سمّيعة راديو»، زبائن للمقاهي وللفراغ اليوميّ الطّويل الّذي يسمح بالثّرثرة والنّميمة الشّعبيّة، وبلعب الورق والدّومينو وطاولة الزّهر، وبأحوال النّاس ومصائرهم حتّى وقت متأخّر من النّهار. وحين تغيب الشّمس، كانوا يعودون من المقاهي إلى بيوتهم مثقلين بمتاعب يوم صرفوه حتى «آخر ساعة» منه في مقهى.
كنتُ أعرف وقت ذهاب جابر، بائع الصّحف، الأسمر، القصير كأعمار أطفال اللّاجئين الصّغار، النّحيف مثل قلم رصاص، إلى محطّة قطارات خان يونس لاستلام حصّته من الصّحف المصريّة الّتي تصدر في القاهرة صباحًا، وتصل إلى خان يونس بعد الظّهر عادة، ليبيعها مساء. أرافقه إلى المحطّة الواقعة شرق المدينة، وأنتظر معه على الرّصيف، ومعي لهفة أخرى ستكبر مع الأيام، وترافقني حين أتخطّى الثّانية عشرة من عمري، وأصبح مولعًا بالقصص والرّوايات، ولم يزل أبي في المستشفى، أواصل زيارته الأسبوعيّة برفقة والدتي حينًا، أو عمّتي أحيانًا، الّتي لم تتوقّف عن إعطائي من النّقود ما يكفي لشراء المجلّة، ومصروفًا أقتطع منه ثمنًا لرواية ما، من وقت لآخر.
في المحطّة فوق الرّصيف المطلّ على الكروم والبّيارات القريبة، نرخي آذاننا تبحث عن ذبذبات صافرة القطار البخاريّ الأسود القديم، توشوشها وتهمس معلنة اقترابه. وحين يظهر لنا من بعيد يسبقه صفيره الحاد، يبدأ قلقي، وتزداد مخاوفي من ألّا يأتيني بما تتلهّف عليه لهفتي.
يصلُ القطار في موعده، أحيانًا، أو يسبقه، أو يتأخّر عنه قليلًا. يلقي رجل على حافة باب إحدى عربات القطار برزمة ورقيّة على الرّصيف، ويختفي بعيدًا عن أنظارنا، بعد المسافة الّتي يقطعها القطار ليتوقّف تمامًا.
يسحب جابر الرّزمة جانبًا، ثمّ يرفعها إلى حافّة السّور الواطئ المحاذي للرّصيف. يُخرج «مطوى» حادّا من جيبه، ويقصّ رباط الرّزمة اللّيفيّ الخشن. تفوح في المكان رائحة الورق المطبوع الّتي ظلّت قرابة تسع ساعات مكتومة عاجزة عن التّنفّس. يتناول جابر نسخة من «آخر ساعة» ويقدمها لي، بينما عيناي تفتّشان عمّا جاء به من كتب وروايات. بفضل جابر، قرأت عددًا من «روايات الجيب»، الصّغيرة، وأخرى صدرت بعيدًا عنها، وأعمالًا لإيان فلمنغ، وموريس لوبلان (سلسلة أرسين لوبين البوليسيّة)، ولسمرست موم، وآخرين. أدفع له ثمن المجلّة، وأكون محظوظًا إن كان لديّ من النقود ما يكفي لشراء رواية، وأمضي.
في الطّريق إلى بيتنا في المخيّم أتصفّح المجلّة التي ترافقني رائحة ورقها وحبر كلماتها. وفي البيت تحتجز الرّواية أمسيتي. كنت لا أترك رواية بين يديّ إلّا حين يطاردني صوت أمّي: «إقرا دروسك ودشْرَك (أترك) م الخراريف اللي بتلهّيك عن مدرستك».
آخذ المجلّة إلى أبي في زيارتنا الأسبوعيّة له ظهر يوم الجمعة، كما جرت العادة. وهو اليوم الّذي يسمح فيه بزيارة المرضى مدّة ساعة تبدأ في الواحدة ظهرًا. أضع المجلّة في سلّة الفواكه الّتي تحتوي عادة، على «حلّة» صغيرة من الألمنيوم، بداخلها زوج من الزغاليل (الحمام الصّغير) أعدّته أمّي. هي تفعل ذلك كلّ أسبوع، وتدفع عمّتي ثمن الحمام مثلما تدفع ثمن المجلّة وبقيّة مصاريف أسرتنا المكوّنة من والديّ وأنا وشقيقي راسم وشقيقتي الأصغر رحاب. تَقلي أمّي لي ولراسم قوانص الحمامتين (الكبد والحوصلتين)، ثمّ تسلقهما بينما تردّد ما تقوله كلّ اسبوع: «الزّغلولين يمّه وشوربتهم لأبوكم». نفرح بالقوانص تاركين الشوربة والحمام يسندون أبي في معركته مع السّلّ الرّئويّ المزمن. منذ ذلك الحين، لم أذق طعم شوربة الحمام ولا أيّة شوربة فيها لحم، ولا أقترب منها أبدًا، كأن كلّ الشوربات كانت لأبي وحده، ولي القوانص الّتي يليق بها القلي، وتعشق قطرات اللّيمون الحامض.
كان أبي يقتل وقته المليء بالسّعال، ومتاعب السّلّ الّذي سكن صدره منذ كان في الخامسة والعشرين من عمره، بمجلّة «آخر ساعة». وفي أسابيع قليلة لا تصل فيها المجلّة، أستبدلها له بـ «المصوّر».
كانت أخبار مصر النّاصريّة تخفّف بعض أوجاع أبي، كما تخفّف منها طريقته في العطس. كان أبي «عطّاسا» مجدِّدًا، يغيّر إيقاعات العطس التّقليديّ: آآآآت تشِهْ. حين كانت تداهمه نوبة عطس بالجملة أو بالتّقسيط، كان يرفع رأسه إلى أعلى قليلًا، فيرتفع أنفه الإغريقيّ. يُغمض عينيه نصف إغماضٍة، ثمّ يطلق سراح عطسة مفردة، يطلقها شهادة إيمانية: آآآآششششهد… بأنّ الله حقّ. ثمّ يفتح عينيه المحمرّتين، ويتأوّه خفيفًا تعبيرًا عن ارتياح يستحق الحمد والشّكر وطلب الرحمة من الله. حين كان يزورنا في إجازة قصيرة من مرضه، كان يتحدّث في السّياسة أمام أصدقّائه من الرّجال في المخيّم، مثل كبار محّللي فضائيّات هذه الأيّام. كنت أرافقه أحيانًا، وأنصتّ إلى ما يقوله، وأستمع إلى أصدقائه: الساعاتي أبو وليد، والخياط محمد صرصور، والصائغ أبو وحيد، يسألونه ويعلّقون ويجادلون، ويردّدون أسماء صحافيّين مصريّين يقولون إنّهم كبار لامعين.
وحين وقع انقلاب 23 يوليو 1952، وأطاحت مجموعة «الضّبّاط الأحرار» بالملك فاروق، كنت في السّابعة من عمري. مساء ذلك اليوم، طلب منّي أبي، الّذي كان يزورنا في البيت، وكان قد مرّ على مرضه عام، أن أشتري له جريدة «الأهرام» وكان ثمنها، آنذاك، قرشًا واحدًا (10 ملّيمات). كنت في الصف الثاني الابتدائيّ. ولم أكن أستطيع قراءة الصّحف. ولو تهجّيت بعض عناوينها وشكّلت منها كلامًا، فإنه لن يكون مفهومًا لي أبدًا. ثم أنني لم أكن قد تعرّفت على جابر بعد، أو تعرّفت على الرواية. لكنّي فهمت، بعد حين، مثل كثيرين، شيئًا واحدًا: هو سقوط الملك فاروق، ملك مصر والسّودان، كما كنت أقرأ على أحد وجهَي العملة المصريّة المعدنيّة. وحين زار اللّواء محمّد نجيب، الذي أصبح أوّل رئيس لجمهوريّة مصر، في 18 يونيو 1953، قطاع غزّة، ومرّ بمدينة خان يونس، ركضت خلف سيّارته الجيب العسكريّة مع الرّاكضين في شارع جلال بالمدينة، مرحّبًا مثلهم. ثمّ تغيّر كلّ شيء فجأة. قال أبي إنّ «مجلس قيادة الثّورة» اختار البكباشي جمال عبد النّاصر رئيسًا لجمهوريًة مصر (25 فبراير 1954). شكّلنا نحن صبية حارتنا، مجلس قيادة ضّمنا جميعًا، وكنّا أصغر «سياسيّين» في المخيّم. رحنا نقلّد المتظاهرين الّذين ركضنا خلفهم فرحين بالتّغيير، محتفين بالزّعيم الجديد من دون أن نعرف لذلك سببًا، غير ما يهمس به الآباء وما ينقلونه عن إذاعة القاهرة. وربما فعلنا ذلك لسذاجتنا بولائنا المبكّر لأول زعيم، وفرحتنا العبيطة بالهتاف له. وهكذا استبدلنا هتافاتنا القديمة، الّتي كانت تعكس الجوّ السّياسيّ في حارات المخيّم، المؤيّدة لفاروق «ملك مصر والسودان»، بأخرى تليق بالعهد الجديد، من دون أن نفهم الفرق بين العهدين أصلًا.
كنا سابقًا، نطوف خلف عوني الشّوّا، صاحبّ الحنجرة القويّة، مقلدين مظاهرة ما، يهتف: «يعيش فاروق الأوّل، ملك مصر والسّودان».

فنهتف خلفه لنذكّر المخيّم كلّه بمن يحكم البلدين الجارين، مصر والسّودان، ويحكمنا طبعًا. ونكرّر بشكل هستيريّ: يا..عيش. يا.. عيش. يعيش يعيش يعيش.
بعد الثورة غيّر عوني الهتاف: «يا.. عيش محمّد نجيب».
غيّرنا ما كنّا نردده خلفه، وهتفنا: يا عيش..يا عيش..يا عيش. يعيش يعيش يعيش.
وظلّت هتافاتنا لعبة مفضّلة، تكبر معنا، ترافق أعمارنا التي تشهد التّحوّلات في مصر، وتدور معنا في أزقّة المخيّم وحاراته، مثل إعلانات سياسيّة مجّانيّة، إلى أن جرت الاطاحة باللّواء محمّد نجيب، وتولّى جمال عبد النّاصر السّلطة الّتي جعلت أبي يطلب منّي شراء نسخة من صحيفة «الأهرام».
غيّرنا الهتاف في الحارة مجدّدًا، وصار «عاش جمال عبد النّاصر».
صار الهتاف أكثر سلاسة، وفيه موسيقى و»جمال» يشعّ من ملامح البكباشي الّتي تبتسم لنا في صورة انتشرت، يرفعها أحدنا فوق صرخاتنا:
عاش جمال عبد النّاصر…
عاش جمال عبد النّاصر…
وعندما كان يأخذنا الحماس، يهوسنا اسم الزّعيم المصريّ الجديد حدّ الدّروشة: ناصر.. ناصر.. ناصر.. ونركض باسم البكباشي في أزقّة المخيّم وحواريه.
أحبَّ أبي ناصر، أحبّه مثل الجميع، وأحببته أنا سنوات طويلة، قبل أن أصبح شابًا يساريًا ويكرهني، كما كره اليساريين المصريين من قبلي وأودعهم سجن الواحات وعذبتهم مخابراته. وهي المخابرات نفسها، التي ستطردني من إسكندريّة عمري الّتي أحببتها وعشت فيها وعاشت فيّ.
وسقط ناصر الذي هتفنا له صبية صغار وأحببناه في شبابنا المبكر. وسقطنا معه في «نكسة» عاشها الرّيِّس وأذاقنا جميعًا مراراها، وعيّشنا بها زمنًا. كان أبي محظوظًا ولم يعشها. رحل قبل أن «ينتكِس» مثلنا، ويلحق بالهزيمة وتلحق به. مات أبي وماتت معه أحلامه القومية الّتي أورثنا بعضها. وبقيت الصّحف المصريّة منذ تلك الأيام السّوداء، تعلن للمتجوّلين في خيمة سور الأزبكيّة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، عن فُرجة مجّانيّة على أكبر هزيمة عاشها العرب.

«بدأت المعركة».
«الجيش العربيّ يزحف إلى تل – أبيب».
رحتُ وسيّد محمود نتأمّل صحف «الأخبار»، و«المساء»، و«الجمهوريّة»، تعيد إنتاج الهزيمة أمام أعيننا الّتي عمّتها الدّهشة. تمنّيت لو أنّها كانت صحفًا مزوّرة مثل نسخ روايتي الّتي تباع في السّوق نفسه علنًا، مثل مئات الكتب الّتي تباع هنا. لكنّ الصّحف كانت حقيقيّة مثل الهزيمة الّتي ظلّت تتوالد عبر السّنين، ولا يكف زعماؤنا عن استنساخها:
«قوّاتنا تتوغّل داخل إسرائيل… أسقطنا 43 طائرة للعدو».
«إسرائيل في ذهول».
«القوّات العربيّة طوّقت منطقة النقب وتواصل زحفها».
أهرب من ماضٍينا المهزوم، ويهرب سيّد من الإجابة عن سؤالي الّذي أجّلت طرحه عليه لليوم التّالي: قريت روايتي يا سيّد، قريت «مصائر»؟
تحدّثنا قليلًا. أبدى سيّد إعجابه بالرّواية، وتحدّث عن بعض ما هو جديد فيها. واكتفيت أنا بذلك، بطرف الخيط، مدركًا إنّه لن يسلّمني لفافة رأيه كلّها، وأنا لا أريده أن يفعل.
مساء اليوم التّالي، دُعيتٍ إلى حفل استقبال، أقامه رئيس اتّحاد النّاشرين العرب، إبراهيم المعلم، في فندق «الكارلتون» وسط القاهرة. ودخل سيّد، الحاضر في كلّ الأعراس الثّقافيّة، قاعة الاحتفال. فوجئ بي «في خلقته»، ولم يستطع تجاهلي لأنّني لم أكن وحدي أيضًا. كان هناك ناشري ماهر كيّالي، وكانت معنا الرّوائيّة المصريّة أهداف سويف. صافح سيّد ماهر وأهداف، ثمّ هجم عليّ واحتضنني كأنّما يراني في القاهرة للمرّة الأوّلى. كأننا لم نتجوّل معا في المعرض قبلها بيوم: «إزيك يا ربعي؟».
وأفلت منّي مبتعدًا بقوّة هجومه نفسها. هرب نحو النّاقد محمود عبد الشّكور الّذي كان بصحبّة صديقه الكاتب إيهاب الملّاح. لم يفهم أحد لهفته على معانقتي، ولا تعجّله الابتعاد عنّي سواي. أدركت أن سيّد أدرك بدوره أنّ وجوده معي، ولو لدقائق، في حفل كهذا دعي إليه إعلاميّون كبار، ورجال صحافة وتلفزيون، وناشرون، ونمّامون من كلّ الأنواع المثقّفة، ومن صفوف النّخبة نفسها، سوف يفتح عليه «عشّ الدّبابير». فبعضهم يشبه جان بالتيست غرنوي، بطل الرّواية الرّائعة «العطر» لميخائيل زوسكيند، المحقّق صاحب الأنف الاسطوريّ، الّذي يتابع جريمة ارتكبها هو بنفسه، تاركًا لنا زمن القرّاءة كلّه نبحث عن غيره. وأنوف الكثير من المثقفين لا تكتفي بارتكاب جرائم كلاميّة، ولا بالشّمّ، بل تعشق توليف الإشاعات والنّميمة وتستمتع بها، كأن يقال مثلًا: شوهد سيّد محمود أمس – ويقال إنّه عضو في لجنة تحكيم البوكر – برفقة الرّوائيّ الفلسطينيّ ربعي المدهون…أو: موقع «حقيقة وليست إشاعة» يكشف تفاصيل اللّقاء بين المدهون وسيّد محمود… أو: المدهون وسيّد محمود يطبخان نتائج البوكر في غياب لجنة التّحكيم». والصّحافة المصريّة وخصوصًا الإلكترونيّة منها، مولعة بهذا النّمط من «النّميمة» العلنية المؤذية، الّتي تشكّلت لها مدارس تطوّرت كثيرًا في السّنوات الأخيرة، وخلقت جيلًا من صحافيّي بيع الأخبار على العربات. ولا يحتاج هؤلاء إلا إلى هاتف جوّال يسجّل ويصوّر؛ وسؤال تصلح إجابته لابتداع مانشيت رخيص، يلمّ أنظار المتصفّحين والإعلانات.
ألحّ عليّ صحافيّ مصريّ شابّ، ناشئ وجديد على الصّنعة، في الحصول على تصريح حول أعمال معرض الكتاب العام الماضي 2017. تردّدت. غمزني صديق كان معنا في أحد أجنحة دور النّشر المصريّة مشجعًا: «معلش يا أستاذ ربعي…الود غلبان ولازم نشجعه».
قلت: نشجعه، إحنا ورانا إيه. كلمتين عن المعرض، وتلاتة عن الجوايز والبوكر بالذّات، ونصل إلى بيت القصيد، الأسطوانة المحببة لبعض المثقّفين العرب، والكثير من الصّحافيّين المصريّين: التّطبيع.
«طب أستاز ربعي، إيه رأي حضرتك في التّطبيع؟»
ألم أقل لكم؟
أجبت: «هذا مصطلح لا يتّفق اثنان على تعريفه. هو عكّاز لخلافات سياسيّة. شخصيًا لا يعنيني هذا، ولا أهتم للمعارك الّتي تدور حوله».
وقلت أيضًا: «إنّ التّطبيع هو العيش بصورة طبيعيّة، والفلسطينيّون أو أيّ شعب تحت الاحتلال، لا يمكنه العيش بصورة طبيعيّة مع من يحتلّ أرضه».
نشر الشّابّ ما يفترض أنّه نقلًا عن لساني، فإذا به عن لسانه هو:
«الفائز بالبوكر العربيّة يقول: أنا لا يهمّني التّطبيع».
صرتُ أنا «مطبّعًا»، وقبض هو ثمن «خيانتي»: 25 جنيهًا مصريًا على ما قيل.
لو كان في رأسي شعر يكفي لأنّ أستغني عن بعضه لنتفته وصلّعت رأسي بنفسي. لكنّي تحمّلت حفاظًا على بقايا شعر يتفرّج على نصف صلعة ويسخر منها، وهو لا يدري أنّها ستزحف عليه قريبًا.
في يناير 2017، جاءتني إلى فندق «هوليداي إن سيتي ستارز» حيث أنزل عادة، شابّة لإجراء حديث وافقت عليه مسبقًا. سألتها: لماذا تعمد بعض الصّحف والمواقع إلى تحريف أقوال النّاس، وخلق إثارة غالبًا ما تسيء لمن تحاوره.
ردّت: عندك حقّ يا أستاز.. هو مش زنبهم (ذنبهم) ولا زنبنا والله العظيم.. وحياة ربّنا.. ده مدير التّحرير، أو سكرتير التّحرير بيقول للصحافي لمّا تبقَ اتجيب خبر أو تكتب عنوان، ابقَ فلفله، ولّعه، وشعلله، عشان الترافيك، أهُو أكل عيش بقى.
الكل يريد تسريع حركة المرور (الترافيك) على موقعه، للحصول على إعلانات أكثر، لكنّهم يريدون تسديد المخالفات الصّحافيّة الفظيّعة وحوادث سير الحوارات، من حسابات غيرهم وسمعتهم الشّخصيّة.
قرّرت أن أوقف علاقتي بالصّحافة المصريّة. ومع ذلك تورّطت قبل ثلاثة أشهر من كتابة هذا النّصّ، وشربت من «الخازوق الصحافي» نفسه للمرّة الألف. يبدو أنّني أكثر من ضعيف أمام كلّ ما هو مصريّ، بما فيه الإساءات الّتي تتبخر، إذ تعيدني ضحكة مصريّة أو سهرة مع أصدقاء، إلى ما فيّ من مصر، وفيّ منها الكثير.
في المؤتمرّ الصّحافيّ الّذي عقد بعد إعلان نتائج البوكر مباشرة، قال سيّد أمام الحضور: «هربت من ربعي في القاهرة»، مؤكدًا سرّيّة النّتائج، وروى بعضًا من حكاية ذلك المساء الحذر.
على شاشة الجزيرة، الّتي استضافت (على الكاميرا) كلّا من وزير الثّقافة الفلسطينيّ، د. إيهاب بسيسو، والرّوائيّ الفلسطينيّ/الأردنيّ جمال ناجي، وسيّد محمود (على الهاتف)، في حلقة من برنامجها «الواقع العربيّ»، طرح سيّد علانية، كلّ ما هرب به بعيدًا عنّي. قال كلّ ما لم يقله لي. كلّ ما لم أطلب منه أن يقوله فعلًا، ولم يكن ليقوله لي لو طلبته منه أصلًا. وصل سيّد ما انقطع ونحن في طريقنا إلى «سور الأزبكيّة» في معرض الكتاب.
جلست وحدي مع هاتفي الجوّال أشاهد الحلقة الّتي أدارها حسن جمّول، وأستمع لما يقوله المتحاورون. شدّني بقوّة ما قاله سيّد محمود وأكّد لي نزاهته، وبساطته القويّة، ولباقته في دفاعه عن رأيه:
«الرّواية تنطوي على جماليّات مهمّة بالغة الأهمّيّة، تتعلّق في طموحه (الكاتب) في تطوير آليّات السّرد، من خلال صناعة التّوازي بين قالب الكونشرتو الموسيقيّ (…) في بناء الرّواية المعاصرة.»
يخرب عقلك يا سيّد..كنت مخبّي الكلام ده كلّه عنّي ليه..قول يا عمّ سيّد قول:
«الجانب الآخر (في الرّواية)، هو معالجة موضوع الشّتات الفلسطينيّ برؤية تخصّ الجيل الثّالث ربّما، الّذي عاش في أوروبا وفي أميركا، عندما يجد نفسه أمام العودة.»
«تناول الكاتب تشظّي الهويّة الفلسطينيّة والصّعوبات الّتي يعاني منها عرب 48 في الدّاخل (الفلسطينيّ) وأزمة تواصلهم مع محيطهم العربيّ.»
«الجانب اللّافت كذلك، هو أنّه (الكاتب)، ينتقل في الحديث عن هويّة فلسطينيّة موحدة، من شعار سياسيّ إلى تفاصيل الحياة اليوميّة. كذلك تتبنى الرّواية ما يمكن أن يسمّيه سرديّة عربيّة فلسطينيّة مضادّة للسّرديّة الإسرائيليّة الّتي تمّ التّرويج لها.»
وتابع سيّد محمود: «الطموح الفنّيّ ونجاح الكاتب في أن يخلق نصًّا أدبيًّا موازيًا لقالب الكونشرتو، واعتبار هذا النّصّ بوتقة لصهر أسئلة الهويّة الفلسطينيّة، لتأكيد أنّ هذا الملمح، كان يعني من الأمور الّتي انتبهت إليها اللّجنة باكرًا، حتّى إنّه ليس من السّرّ الآن، أن اقول إن هذه الرّواية كانت تحظى، دائمًا، بالعلامات.. آه يعني.. الأعلى، إلى جانب أعمال أخرى بطبيعة الحال. وكانت تصمد معنا دائمًا في أيّ نقاش، لأنّه، يعني، كلّ أعضاء اللّجنة كان لديهم يعني هذا الاهتمام بطبيعة بنائها الفنّيّ، بالإضافة إلى القدرة الفنّيّة للكاتب لأنّ يستعيد موضوع روايته السّابقة، وهي «السّيّدة من تل – أبيب»، وبطله وليد دهمان، ليطرح عليه أسئلة جديدة. ثمّ في الجزء الأخير، عندما يستدعي شخصيّته وشخصه في محاولة لكسر الإيهام والتدليل على أسئلة الكاتب ذاته. لذلك تحوّلت الرّواية، في مرحلة من المراحل، إلى بوتقة، أو ربّما إلى مطبخ كبير لأسئلة فنّيّة مهمّة، تخصّ هذا الطموح والبنّاء الرّوائيّ الجديد، إلى جانب الأسئلة الّتي ربّما نظر إليها البعض في عالمنا العربيّ، على أنّها أسئلة شائكة.»
من كلّ هذا الملقى على مسامع مشاهدي الجزيرة، لم يقلّ لي سيّد محمود في لقائنا الثّاني في المعرض أيضًا، أكثر من تقديره للجانب المتعلّق بطرح موضوع الجيل الثّالث من الفلسطينيّين المنفيّين أو المهجّرين، وكلّمات عامّة حول تقنيّة الرّواية واستخدام الكونشرتو، لا تشير إلى ما يدلّ على تفضيلها عن روايات أخرى. كان سيّد حريصًا على عدم ترك أيّ انطباع أبعد من انطباع قارئ عاديّ لـ«مصائر» في سياق قراءاته العاديّة، وليس بوصفه عضو لجنة تحكيم أعرف إنّه عضو فيها، ولا يعرف هو أنّني أعرف. حافظت أنا على كلّ المسافات تلك، وحافظ سيّد على مسافات مماثلة، كأنّما تواطأنا على الصّمت المطلوب.

جارٍ التحميل